ربحنا جيلا للمستقبل!
ما من شكّ في ان الفرق بين التتويج باللقب وخساره النهائي يشبه الفرق بين الارض والسماء, وطعم الفوز لا علاقه له بتاتا بمراره الخساره. هذا بديهيٌّ ولا يحتاج الي خطيب يشرحه. لكن ما يحتاج الي شجاعه ادبيه حقيقيه, في هذا الصباح الثقيل الذي يلي ليله خساره نهائي كاس افريقيا للامم, امام الارض والجمهور, هو ان نرفض الانجرار الي اسهل ردّ فعل: جلد هذا الفريق, ووصمه بالخيبه, واغلاق الحكايه عند عتبه النتيجه. سيكون ذلك ظلما, وسيكون انانيه ايضا. كاننا نريد من منتخب ان يدفع وحده ثمن جراح بلد كامل, ثم نمضي الي يومياتنا ببروده الضمير. نعم, لقد خسرنا اهم ما تُعقد البطولات من اجله: الكاس الثمينه التي افتقدناها طويلا, وتلك النجمه الثانيه التي ظلّت معلّقه في المخيال اكثر مما هي معلّقه علي القميص. خسرناها علي ارضنا, وفي ملاعبنا, وامام اعين جاءت لتقطف الفرح من الشوط الاخير. هذا هو الجرح, وتلك هي فداحته. لكن اللحظات الصعبه وحدها تُخرج من الانسان معدنا لا يُري في اوقات الرخاء. اللحظات المريره هي التي تختبر قدرتنا علي ان نفهم الاشياء خارج منطق الغضب, وخارج فتنه الصراخ, وخارج تلك الرغبه البدائيه في العثور علي مذنب نعلّقه حين تسقط الصومعه ونرتاح. الشجاعه اليوم ليست ان نتظاهر بان الخساره عاديه, ولا ان نختلق فلسفه رخيصه تساوي بين الفوز والهزيمه. الشجاعه ان نعترف بما يؤلمنا, ثم ننظر في الوقت نفسه الي ما كسبناه, خصوصا خارج الملعب. هناك, في الهامش الذي لا تحتفل به العناوين الرياضيه. وحيث تُصنع المعاني الكبري دون ضجيج. لان ما حققته هذه الكتيبه منذ مونديال 2022 لم يكن مجرد نتائج, بل كان اعاده ترتيب للعلاقه بين المغاربه وفكره الوطن, وهذا مكسبٌ لا يقاس بالكؤوس وحدها. انا شخصيا لست من رواد الملاعب, ولا ممن يحرّكهم شغف المباريات علي الطريقه التي تحوّل الكره الي دين يومي. بل كنت منذ البدايه من الذين ساندوا حقّ المتسائلين حول جدوي الرهان علي الكره وبناء احلام وطنيه عليها. كنت افهم, وربما اكثر من غيري, ان وطنا لا يُبني علي التسعين دقيقه, ولا علي ضربه جزاء, ولا علي عرضيه تحوّلت الي هدف. لكن الموضوعيه, حين تكون نزيهه, تجبرك علي ان تسجّل ما وقع فعلا: هذه الكره, منذ اربع سنوات, صنعت شيئا استثنائيا في الشارع المغربي, شيئا لا يمكن انكاره الا بسوء نيه او بعمي الرغبه في الهدم. لقد تحقّق الكثير, وعلي راسه هذا الجيل الصاعد من الاطفال واليافعين, الذين رايناهم يخرجون يوميا ليعانقوا الوان الوطن.اطفالٌ رايناهم يشدّون العلم علي الاكتاف كانه معطفُ امان ضد قسوه العالم. وراينا في عيونهم شيئا نادرا: ان يصبح الوطن في مركز الاهتمام, لا في الهامش. ان يصبح المغرب افقا للحياه, لا مجرد محطه مؤقته قبل الرحيل. وهذه ليست جمله عاطفيه. هذا تغييرٌ اجتماعيٌ حقيقي. تغييرٌ في المزاج العام, وفي اللغه, وفي المعني. نعم, خسرنا الكاس الافريقيه الثمينه, لكننا كسبنا اساتذه للاجيال الصاعده في الاجتهاد واخلاص النيه والسعي للنجاح.كسبنا صوره المغربي الذي ينجح بعرقه, لا بصدفه سخيه. المغربي الذي يدخل المعركه محاطا بامه وابيه واسرته, كما يدخل الابن ساحه الامتحان وهو يسمع دعاء البيت خلفه. كسبنا هؤلاء الذين يتمرّغون في التراب من اجل ابناء جلدتهم, لا من اجل مكافاه او لقطه عابره. وكسبنا حكايات عن العمل الصامت الذي لا تلتقطه الكاميرات: عن التداريب, والانضباط, والاختيارات الشجاعه, والتضحيات التي لا تكتبها لوحات اعلان النتائج. والاهم من كل هذا اننا كسبنا جيلا كاملا, تعلّقت احلامه منذ اربع سنوات بهذه القدوات. جيلٌ تشرّب معهم معني الانتماء حين يتحوّل الي فعل وعمل وتخطيط وتركيز. لقد فهم الاطفال, علي طريقتهم, ان النجاح ليس هديه من السماء, بل مشروعٌ يبدا من التفاصيل الصغيره: ان تنهض مبكرا, وان تتمرن, وان تصبر, وان تصاب ثم تعود بعد اصابه, وان تحتمل النقد, وان تواصل رغم الخيبات التي تتراكم مثل غبار الطريق. هنا, بالضبط, يظهر الفارق بيننا وبينهم. نحن الاجيال التي كبرت علي علاقه;بارده مع فكره الوطن. كبرنا علي نشيد يُردَّد باللسان لا بالقلب. علي علم يُرفع في المناسبات بامر من مقدّم الحومه ثم يطوي بلا اثر. هل يمكننا ان ننكر ان الضحك كان يغالبنا حين كانت مدارسنا تتذكر بين حين واخر ان تحملنا علي تحيه العلم وترديد النشيد?لقد كبرنا ونحن نبحث عن معني خارج الحدود لان الداخل كان بخيلا بالمعني. لذلك, لا نملك ادني حق في انكار جميل هؤلاء المقاتلين الذين اعادوا معني الوطن الي الديار, واحيوه في جيل كامل, حتي بتنا نخرج معهم الي الشوارع لنستحم في كرنفالات الاعلام والهتاف من اجل شيء ثمين اسمه المغرب. هذا ليس تمجيدا ساذجا ولا احتفاء غبيا بالهزيمه. انه فهمٌ مختلف لما حدث. لان من بين اجمل ما تركته لنا هذه الرحله انها قدّمت نموذجا جماعيا للقيمه. واعطتنا معني ان البطوله ليست في الاسم اللامع وحده, بل في المنظومه. وفي اليد الامينه حين تحمي الحكايه, وفي العقل التكتيكي الذي يعيد تعريف دور كامل داخل الملعب, وفي لاعب يعبر بين الادوار كما يعبر الموسيقي بين المقامات دون ان يختل الايقاع, وفي صخره وسط الميدان التي لا تبحث عن التصفيق لكنها تمنع الانهيار, وفي بطل اكتشف ان الاصل ليس وثيقه بل نبض, وفي مدافع صنع من المسار الشائك مدرسه للصلابه, وفي مهاجم صعد من حيّ متواضع الي شرفات المجد ثم عاد ليضع راسه في خدمه الحلم الوطني. ثم جاء الامتحان الاخير. الامتحان الذي لا يحبه احد. لحظه الخساره. هو الدرس الاكثر قسوه ومراره, لكنه الاكثر قيمه ايضا. قُدّر لهذا الجيل ان ياخذ جميع الدروس, بما فيها الذي لا نريد ان نتعلمه: ان الطريق لن تكون سهله مهما اجتهدنا وخططنا ودبرنا وتفوّقنا. وان التفاصيل قد تسرق منك فرحا كنت تراه بين يديك. وان لحظه واحده قد تكسر السرديه. هذا مؤلم, نعم. لكنه ثمين. ثمين لانه يعلّمنا الواقعيه دون ان يقتل الحلم, ويعلّمنا ان الاقتراب من القمه ليس ضمانا للبقاء فيها, وان النضج الحقيقي يبدا حين نتقن النهوض بعد السقوط. لهذا, حين نقول اننا ربحنا جيلا كاملا من اجل المستقبل, فنحن لا نعزّي انفسنا بكلام انشائي. بل نقرا الواقع كما هو: لقد تعلّم هذا الجيل بالملموس ان المستحيل ليس مغربيا, وان بمقدورنا ان نحلم ونقترب من الوصول, حتي ان لم نصل الان. والان, بعد ان هدا الضجيج قليلا, وبعد ان عادت الشاشات الي برامجها العاديه, يبقي سؤال واحد يهمني اكثر من نتيجه النهائي: ماذا سنفعل بكل هذا الذي ربحناه? هل سنحافظ علي هذا المعني حيا? ام سنتركه يبرد كما بردت اشياء كثيره من قبل? هنا تبدا المسؤوليه الحقيقيه. مسؤوليه المجتمع قبل المنتخب. ومسؤوليه البيت قبل المدرج. ومسؤوليه المدرسه قبل الاستوديو التحليلي. المنتخب اعطانا الشراره. وعلينا الا نطفئها بغباء جماعي, ولا ندفنها تحت رماد الغضب. الخساره موجعه, نعم. لكنها ليست نهايه السير. انها فصلٌ قاس من كتاب بدا يكتب مستقبلا اقل استسلاما. وهذا وحده سببٌ كاف لان نكون منصفين, وان نكون شجعانا, وان نقول لهذا الفريق: شكرا لانكم منحتمونا الوطن في هيئه جديده. The post ربحنا جيلا للمستقبل! appeared first on صوت المغرب.