هسبريس
/
الخميس، 19 فبراير 2026
ممارسات تاريخية وطقوس ترفيهية تميز شهر رمضان في الصحراء المغربية
في الاقاليم الجنوبيه للمملكه يحل شهر رمضان المبارك محملا بدلالات روحيه واجتماعيه خاصه, تتقاطع فيها حراره الصحراء مع دفء العادات. ويغدو الشهر الفضيل مناسبه جماعيه لاستعاده قيم التضامن والسكينه والارتباط بالتراث الحساني العريق. مثل غيرهم من المجتمعات المغربيه يستقبل الصحراويون رمضان بتقدير بالغ, غير ان مظاهر الاستقبال هنا تاخذ طابعا محليا مميزا, تتجاور فيه الشعائر الدينيه مع طقوس اجتماعيه متوارثه. قبل حلول الشهر تتسارع وتيره الاستعداد داخل البيوت, حيث يُقبل الناس علي الصدقات وصِلات الرحم, فيما يترقب الموسرون اخراج الزكاه طلبا لمضاعفه الاجر. ويؤكد فاعلون محليون ان رمضان يشكل محطه سنويه لترسيخ قيم التكافل; اذ تتسع دوائر التضامن العائلي, وتُفعّل مبادرات الاحسان الجماعي, في مشهد يعكس تماسك النسيج الاجتماعي بالمنطقه. طقوس النشاه للاطفال نصيبهم من هذه الاجواء, اذ تحرص الاسر علي ادماجهم تدريجيا في الصيام, بدءا بصوم جزء من اليوم وصولا الي صيام اليوم كاملا. ومن العادات التي عرفها المجتمع, وان تراجع حضورها اليوم, حلق رؤوس الصغار مع مطلع الشهر تبركا وتيمنا, الي جانب تشجيعهم علي ختم القران اكثر من مره خلال رمضان, وذلك تعزيزا للتربيه الدينيه المبكره. مائده بسيطه غذائيا يحتفظ المطبخ الصحراوي ببساطته المعهوده رغم تاثيرات التمدن, غير ان رمضان يمنحه انتظاما خاصا حول ثلاث وجبات رئيسيه. فالافطار يبدا عاده بالتمر وحساء تقليدي مُحضر من حبوب متعدده, قبل ان يحضر “الزريك” كمشروب اساسي, يُقدم في اقداح خشبيه تقليديه, ويعد- بحسب تسلم, المتخصصه في الطبخ المحلي- ركنا لا غني عنه علي المائده, سواء كان من لبن الابل او الغنم. ووفق مصرحه هسبريس فان الافطار لا يكتمل دون الشاي الصحراوي, او “اتاي”, الذي يتجاوز كونه مشروبا الي رمز للكرم وحسن الضيافه, حاضرا قبل الوجبات وبعدها, ومحتفي به في الذاكره الادبيه والشعريه الحسانيه. عقب الافطار تُقدم وجبه ثانيه غالبا ما تكون من اللحم المشوي او المطهو, غير ان ارتفاع اسعار لحوم الابل والغنم بات يفرض تحديات علي الاسر, علي حد تعبير تسلم. وفي المقابل, ورغم غني السواحل الجنوبيه بالثروه السمكيه, يظل حضور السمك محدودا علي موائد الصائمين, وهو ما يُعزي-وفق المتحدثه ذاتها- الي ارتفاع اسعاره خلال الشهر الفضيل, فضلا عن نظره ثقافيه متجذره لدي فئات, خصوصا كبار السن, تقلل من الاقبال علي اطعمه البحر بشكل عام. اما السحور, بحسب المتخصصه في الطبخ الصحراوي فيتنوع بين الارز باللحم, واطباق تقليديه مثل “بلغمان” الممزوج بالدهن, او الاكتفاء بكاس من “الزريك” بعد جلسه شاي اخيره; وهي لحظه هادئه تسبق اذان الفجر, وتختزل روح رمضان الصحراوي القائمه علي البساطه والانس. في الاقاليم الجنوبيه يشكل شهر رمضان المبارك فضاء اجتماعيا مفتوحا للترفيه الجماعي, حيث تستعيد الالعاب الشعبيه التقليديه حضورها للتخفيف من وطاه الصيام وحراره الطقس, ويمنح السهرات الرمضانيه نكهه خاصه. غير انّ هذه الممارسات, علي اهميتها الثقافيه والاجتماعيه, بات بعضها مهددا بالاندثار امام زحف انماط ترفيه حديثه. الالعاب النسائيه تُعد لعبه “السيك” من ابرز الالعاب الشعبيه حضورا خلال ليالي رمضان, وهي لعبه نسائيه خالصه تحظي باقبال واسع, وتتحول الي مشهد فرجوي مكتمل العناصر. وتقوم اللعبه علي تنافس مجموعتين قد يصل عدد افراد كل واحده منهما الي ثماني لاعبات, باستعمال اعواد خشبيه تعرف في اللسان الحساني ب“السيك”, تتميز بزخارف دقيقه ونقوش تقليديه تعكس مهاره الصانع المحلي. وفي هذا الصدد قال محمد فاضل ماء العينين, مهتم بالتراث الحساني, ان اجواء “السيك” تتجاوز حدود اللعب الي التعبير الجماعي; اذ تتعالي خلالها الزغاريد والتعليقات بين الفرح بالنصر والتحسر علي الهزيمه, مشيرا الي ان المشهد تتداخل فيه العاطفه والحماسه, ويخلق طقسا رمضانيا خاصا يعيد للفضاءات النسائيه روحها الجماعيه. ومن بين الالعاب النسائيه التقليديه, يضيف المتحدث لهسبريس الالكترونيه, تحضر لعبه “اكرور”, التي تقوم علي التركيز الذهني والتناسق بين حركه اليد والبصر, وتُمارس باستعمال سبعه احجار صغيره دائريه, تتطلّب مهاره عاليه في الرمي والالتقاط, ما يجعلها لعبه تجمع بين الترفيه وتنميه القدرات الذهنيه, وتُمارَس غالبًا في اجواء هادئه تسبق او تعقب الافطار. مجالس الرجال اما الرجال, ولا سيما الشيوخ منهم, فيلتفون خلال امسيات رمضان حول لعبه “الظامه”, التي تشبه الي حدّ ما لعبه الشطرنج من حيث التخطيط والتكتيك, مع اختلاف في القواعد والاسلوب. وعن اللعبه يري المهتم بالتراث الحساني ان جلسات “الظامه” تتحول الي مجالس وقار وتركيز, حيث تتابع العيون اطوار اللعب بتمعن, سواء من باب المشاركه او الفرجه, وهو المشهد الذي يتكرر كل سنه ويعكس بعدا ذهنيا عميقا للترفيه الرمضاني. واسترسل الخبير ذاته: توجد الي جانب ذلك العاب شعبيه اخري مثل مرياس, التي تظل في الغالب حكرا علي الرجال, اضافه الي العاب دخيله علي البيئه الصحراويه, كالدومينو والعاب الورق, التي وجدت لها موطئ قدم في السهرات الرمضانيه, خاصه لدي الاجيال الشابه. وبهذه التفاصيل يواصل رمضان في الاقاليم الجنوبيه نسج ذاكرته السنويه, جامعا بين العباده والعاده, ومؤكدا ان للشهر الفضيل هنا نكهه خاصه, تستمد فرادتها من الصحراء المغربيه واهلها. appeared first on.