سقوط الفضاء العام
يعد الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس احد العقول التي حاولت فهم سرّ تماسك المجتمعات الحديثه, ومفكر سياسي ومهندسٌ خفيّ للعلاقه بين الانسان والكلمه, وبين المواطن والدوله, وبين الحريه والحوار. وهو احد ابرز اعلام الجيل الثاني لمدرسه فرانكفورت النقديه, تلك المدرسه التي سعت الي نقد العالم كي يصبح اكثر انسانيه وعدلاً. وقد ذاع صيته عالميًا بفضل نظريته حول الفضاء العام, وهي فكره تحوّلت مع الزمن الي احد المفاهيم المركزيه في الفلسفه السياسيه وعلم الاجتماع ودراسات الاعلام, لانها لم تسال فقط كيف تُمارس السلطه, بل كيف تتكوّن الشرعيه ذاتها داخل المجتمع. الفضاء العام, عند هابرماس هو مجال اجتماعي رمزي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم افرادًا احرارًا يناقشون شؤونهم المشتركه نقاشًا عقلانيًا, بعيدًا عن هيمنه الدوله وضغط السوق. انه فضاء تواصلي يتشكّل بالكلام نفسه; يولد كلما تحاور الناس, ويضعف كلما صمتوا او استُبدل الحوار بالدعايه. قد يظهر في المقاهي الادبيه, او صفحات الصحف, او النوادي الفكريه, او المنتديات الثقافيه, وقد اتخذ اليوم اشكالًا جديده عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل الرقميه. غير ان جوهره يبقي واحدًا, اذ المجتمع الديمقراطي يقوم علي النقاش العمومي العقلاني الذي يسبق القرار السياسي ويمنحه معناه. ولفهم هذه الفكره, عاد هابرماس الي التاريخ الاوروبي, وخاصه القرن الثامن عشر, حيث درس في كتابه الشهير التحولات البنيويه للفضاء العام (1962) اللحظه التي بدا فيها المواطن الاوروبي يتحول من تابعٍ للسلطه الي محاورٍ لها. حين تراجعت الملكيات المطلقه, وظهرت الطبقه البرجوازيه, وانتشرت الصحافه والطباعه, فنشات فضاءات جديده للنقاش الحر. وتحوّلت المقاهي في لندن وباريس وبرلين الي برلمانات فكريه غير رسميه, يناقش فيها الناس الادب والسياسه والاقتصاد, فتكوّن لاول مره ما نسميه اليوم الراي العام. وهنا حدث تحول عميق في التاريخ: لم تعد الشرعيه السياسيه تنزل من العرش, لقد بدات تصعد من الحوار. لكن الفضاء العام, في تصوره المثالي, لا يقوم اعتباطًا; فهو يحتاج الي شروط دقيقه تشبه قوانين البناء المتوازن. اولها المساواه, حيث يدخل المشاركون النقاش دون امتيازات السلطه او المال. وثانيها العقلانيه الحواريه, اذ تنتصر الحجه الاقوي لا الشخص الاقوي. وثالثها الحريه من الاكراه, فلا ضغط سياسيًا ولا اقتصاديًا يشوّه النقاش. ورابعها التوجّه نحو المصلحه العامه, لان الحوار الذي تحكمه المصالح الضيقه يفقد روحه المدنيه. عند تحقق هذه الشروط يصبح الفضاء العام اشبه بجسرٍ معنوي يصل بين الافراد والدوله, ويمنع انهيار الثقه بينهما. من هنا يربط هابرماس بين الفضاء العام والديمقراطيه ربطًا عضويًا; فالديمقراطيه الحديثه تقوم, في نظره, علي ركيزتين متكاملتين: النظام السياسي بما يتضمنه من مؤسسات وقوانين, والفضاء العام بما يحتويه من نقاش شعبي عقلاني. فاذا ضعفت المؤسسات اختلّ التنفيذ, واذا ضعف الفضاء العام فقدت القوانين شرعيتها الاخلاقيه. البرلمان يقرر, نعم, لكن الفضاء العام هو الذي يُنتج القبول الاجتماعي لتلك القرارات. ولذلك تتحول الديمقراطيه, دون فضاء عام حيّ, الي شكلٍ اجرائي فارغ يشبه مبنيً جميل الواجهه لكنه بلا سكان. غير ان هابرماس لاحظ ان هذا الفضاء لم يبقَ نقيًا كما كان في بداياته; فقد تعرّض في العصر الحديث الي تشوّهات عميقه نتيجه سيطره الاعلام التجاري, وصعود الدعايه السياسيه, وهيمنه الشركات الكبري علي تدفق المعلومات. تدريجيًا, تحوّل المواطن من مشارك في صناعه الراي الي مستهلكٍ له, واصبح النقاش العمومي عرضه للتوجيه والتلاعب, فظهر ما يُعرف بصناعه القبول, حيث يُصاغ الراي العام احيانًا داخل مراكز التاثير بدل ان يولد من الحوار الحر. وهنا تتجلي راهنيه هابرماس بوضوح يكاد يكون مؤلمًا; اذ ان ما يشهده العالم من تصاعد الصراع بين الولايات المتحده واسرائيل من جهه وايران من جهه اخري يكشف كيف يمكن لانهيار المفاوضات وتعثر القنوات الدبلوماسيه ان يدفع السياسه الي لغتها البدائيه: لغه القوه. فحين تتصلّب المواقف, وتتعثر طاولات التفاوض, ويتحوّل الشك المتبادل الي يقين بالتهديد, يبدا الفضاء العام الدولي في الانكماش تدريجيًا, ويُستبدل الانذار بالحجه, والصاروخ بالبيان. لقد قامت المفاوضات الدوليه, لسنوات طويله, علي محاوله ضبط التوازن بين المخاوف الامنيه الغربيه والاسرائيليه من جهه, ورغبه ايران في تثبيت موقعها الاقليمي وسيادتها الاستراتيجيه من جهه اخري. غير ان تعثر الحوار وتراكم انعدام الثقه وتصلّب الحسابات الجيوسياسيه, جعل كل طرف يري في التنازل خطرًا وجوديًا لا مجرد خيار سياسي. ومع ضعف الوساطه الدوليه وتاكل الثقه في جدوي التفاوض, انتقل الصراع تدريجيًا من مجال الخطاب الي مجال الردع العسكري, وكان العالم عاد الي لحظه ما قبل الفضاء العام, حيث تُقاس المواقف بمدي القوه لا بمدي الاقناع. وهكذا تحققت المفارقه التي حذر منها هابرماس ضمنيًا: عندما يفشل العقل التواصلي, تتكلم الاسلحه. فالصواريخ, في نهايه الامر, ليست سوي لغه سياسيه حين تنهار اللغه الاصليه. انها خطابٌ بلا حوار, ورساله لا تنتظر جوابًا بل ردًا مماثلاً. ان ما يحدث يكشف ان الازمه ليست فقط ازمه نزاع اقليمي, انما هي ازمه فضاء عام عالمي عاجز عن احتواء الخلافات الكبري داخل نقاش عقلاني مشترك. فالراي العام العالمي نفسه اصبح منقسمًا الي سرديات متوازيه, تُدار عبر الاعلام والتحالفات الرقميه, بحيث لم يعد هناك مجال مشترك للحقيقه, انما حقائق متنافسه تتصارع كما تتصارع الجيوش. ومع اتساع الفضاء الرقمي, بدا العالم وكانه اصبح ساحه نقاش مفتوحه, غير ان الواقع اظهر العكس; اذ تحولت المنصات الي جزر خطابيه منفصله, يعزز كل منها قناعته الخاصه. وهنا يبرز السؤال الهابرماسي من جديد: هل نحن امام توسع للفضاء العام ام امام تفككه الي عوالم لا تتواصل فعليًا? ان نظريه العقل التواصلي عند هابرماس تذكّرنا بان الحقيقه السياسيه لا تُفرض بالقوه بقدر ما تُبني بالاعتراف المتبادل. فالانسان ليس فقط كائن قوه, هو كائن حوار. وكلما ضاقت مساحات التفاهم, تمددت احتمالات العنف. وهكذا يصبح الفضاء العام شرطًا للسلام قبل ان يكون شرطًا للديمقراطيه; لان الحروب تبدا عندما تفشل الكلمات في الوصول الي الاخر. وما نراه اليوم ليس انتصارًا للقوه بقدر ما هو اعلان عن عجز الحوار. لذلك يمكن تلخيص الدرس الهابرماسي في جمله واحده: لا توجد ديمقراطيه حقيقيه دون فضاء عام حر, ولا استقرار دولي دائم دون فضاء عام عالمي قادر علي تحويل الخلاف الي نقاش قبل ان يتحول الي مواجهه. وهكذا نكتشف ان الحضاره ليست فقط ما نشيّده من طرقٍ وجسور, فالحضاره هي كذلك ما نُقيمه من جسورٍ لغويه بين العقول; فحين يصبح الحوار عادهً جماعيه, يتحول الكلام نفسه الي عمران ويغدو الفضاء العام مدينهً معنويه لا تهدمها الازمات; لانها قائمه في ضمير المتحاورين قبل ان تقوم في خرائط السياسه. حين تضيق مساحات الكلام... تتسع مسافات الحرب, وحين يعود الحوار, تبدا الانسانيه اعاده بناء نفسها من جديد.