منذ منتصف القرن الثامن عشر وامن الخليج علي شاطئيه الشرقي, حيث ايران ثم شاطئه الغربي, حيث جيرانها العرب, تحدده توازنات امنيه دقيقه بين مكوناته المحليه في سياقها الاقليمي, ثم الدولي حتي قبل ان تتخذ كافه دول الخليج الحاليه شكل الدوله باستثناء عُمان فقط, كانت فارس وعُمان هما من تعرفان شكل الدوله وتقاليدها وتراثها, وكان الوقت مبكراً جداً; لتظهر الدوله السعوديه الاولي, والتي قضي عليها الاتراك من خلال قوات محمد علي باشا ونجله القائد ابراهيم 1818 ثم الدوله السعوديه الثانيه, التي قضي عليها منافسوهم الُ الرشيد في حائل 1891 ثم الدوله السعوديه الثالثه, التي بدات تباشيرُها مع النجاح المذهل للملك عبد العزيز ال سعود في استرداد الرياض في منتصف يناير 1902, اما باقي دول الخليج فهي حديثه المنشا في فتره تفكيك الاستعمار في مرحله ما بعد الحرب العالميه الثانيه. قبل ذلك كانت مجرد مشيخات وقبائل, حظيت بالاعتراف من البريطانيين الذين بسطوا علي هذه القبائل حمايتها ثم وصايتها ثم كفالتها ثم وظفتها توظيفاً عملياً في خدمه متطلبات مشروعها الاستعماري الكبير, الذي بداته من مصر وشرق المتوسط حتي العراق والخليج حتي افغانستان حتي شبه القاره الهنديه, وكان مشايخ هذه القبائل- التي صارت من بعد ذلك دول مجلس التعاون الخليجي- من الذكاء الفطري والبصيره النقيه, بحيث فهموا ان التاريخ يستدعيهم من خيامهم علي السواحل وفي البوادي; ليكونوا جزءاً من لعبه سياسيه عالميه كبري, ليس لديهم المام كاف بها, لكن لديهم ما يكفي من الفطنه, ليعلموا ان لهم موقعاً مهماً فيها, ثم لهم دوراً مهماً كذلك فيها, اما الموقع المهم فهو ان يختاروا الانحياز ثم التبعيه ثم الولاء ثم التعاون مع احدي القوتين العظميين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: اما فرنسا او بريطانيا, وكانت بريطانيا الاسبق فدخلوا في زمام حمايتها, ومن تحت هذه الحمايه خرجوا من تاريخ الخيام الي افاق الدوله. اذن اكتسب الخليج- علي شاطئيه- معناه السياسي المعاصر, عندما وقع مثل غيره من بلدان المشرق العربي الاسلامي في مهب التنافس الاوروبي وبالتحديد البريطاني الفرنسي علي الاستعمار وعلي استعمار الهند علي وجه الخصوص. كان الصراع الفرنسي البريطاني هو ما استدعي هذا العالم الاسلامي, الي ان يكون جزءاً- ولو سلبياً ولو ضحيه- في اطار اضخم لعبه صراع سياسي وعسكري, مارسته اوروبا المتوحشه خارج نطاقها القاري. فكره الدوله في الخليج حديثه المنشا بالتاكيد, لكن القبيله كانت موجوده, وكانت تلعب سياسه اقليميه ودوليه, وكانت تملك وعياً كافياً, بانها ليست مجرد قبائل ساكنه علي الشاطئ او هائمه في الباديه, كانت تعلم ان مكانها جزء من تاريخ جديد, سوف يُعلي من مكانتها, ويمنحها قيمه تاريخيه, وهو ما حدث بالفعل, عندما صارت القبائل جزءاً مهماً من ترتيبات الاستعمار البريطاني في عموم المشرقين العربي والاسلامي. بهذا المعني, فان فكره السياسه الاقليميه ثم الدوليه في الخليج قديمه, موجوده وجود القبيله, وسابقه علي الدوله الحديثه وليست تابعه لها ولا نابعه منها. كذلك وبهذا المعني يمكن القول ان الخليج الحديث كحضور سياسي اقدم كثيراً من الدوله الخليجيه الحديثه, التي نراها الان. خذ مثالاً باكبر دولتين او اقدم دولتين, وهما السعوديه وعُمان, حيث اقدم بيت خليجي حاكم في السعوديه 1727 حتي 1818 اي الدوله السعوديه الاولي, ثم الدوله السعوديه الثانيه 1824 حتي 1891, ثم الدوله السعوديه الثالثه بدات ثم توسعت ثم تواصلت من 1902 حتي يومنا هذا, وهي اليوم رقم مهم سواء في السياسه الاقليميه او الدوليه. سلطنه عُمان كانت ابكر في وقوعها في مهب الزحف الاوروبي من غيرها, ففي التوقيت الذي خضعت فيه مصر والشام للسيطره العثمانيه عند مطالع القرن السادس عشر الميلادي خضعت عُمان السواحل للسيطره البرتغاليه, مما استدعي جهاداً عُمانياً تواصل اكثر من قرن ونصف انتهي بطرد البرتغاليين وتاسيس دوله اليعاربه او امبراطوريه اليعاربه في عُمان السواحل وعُمان الداخل كما في شرق افريقيا حيث زنجبار وتنجانيقا او ما يعرف الان بتنزانيا وما حولها. اذن كان الجهاد ضد الاوروبي- البرتغالي- هو ما افتتح تاريخ عمُان الحديثه قبل خمسه قرون. ثم ضعفت دوله اليعاربه, ووقعت عُمان في حروب اهليه بحيث استعان بعض العُمانيين بالفرس ضد بعضهم الاخر واستغل الفرس الفرصه لاحتلال عُمان, وجد العُمانيون انفسهم في الربع الثاني من القرن الثامن عشر رهائن احتلال فارسي, لا يختلف عن سابقه من احتلال برتغالي, استجاب العُمانيون للتحدي التاريخي وجاهدوا الفرس كما سبق وجاهدوا البرتغاليين, وهنا سقطت الي الابد دوله اليعاربه, وقامت مقامها دوله البوسعيد, التي تزعمت الجهاد لطرد الفرس, وهي من تحكم عُمان حتي يومنا هذا. معني هذا, ان الوعي التاريخي المعاصر في الضمير العُماني يقوم علي ان الخطر ياتي من: اوروبا كقوه استعمار, الفرس كقوه اقليميه ذات اطماع قديمه, ثم خطر الصراعات مع الجيران العرب ذاتهم فقد تعرضت بعض مناطق عُمان لغزو ثم احتلال سعودي مع منافسه من ال نهيان في ابوظبي وقد مارست عُمان لعبه التحالف مع احد الطامعين (ال نهيان) لطرد من وضعوا ايديهم علي الارض بالفعل (ال سعود). وهذا المثال العُماني يصلح للتعميم علي كل دول الخليج التي تتوقع تهديدات ومخاطر علي امنها سواء من الغرب او من ايران او من قوي خليجيه طامحه او طامعه بما في ذلك طموحات ال نهيان في ابوظبي التي يظنها البعض طارئه ومستجده, بينما هي ذات جذور بعيده. اما الدوله السعوديه – في مراحلها الثلاث- فهي جربت كل مصادر الخطر:
الخليج الجديد
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: انباء اكسبريس