في زمن تتكاثر فيه الماسي الانسانيه وتتراجع فيه مساحه التضامن الحقيقي, بقيت فلسطين واحده من اكثر القضايا حضوراً في ضمير العالم. فمنذ عقود, لم تعد القضيه الفلسطينيه مجرد نزاع سياسي او ملف دبلوماسي, بل تحولت الي رمز عالمي للعداله والحريه وحق الشعوب في العيش بكرامه. ولذلك فان كل جهد صادق يهدف الي رفع الظلم عن الفلسطينيين, وانهاء الحصار عن غزه, وحمايه المدنيين, يستحق التقدير والاحترام. ومن هذا المنطلق, فان المبادرات المدنيه الدوليه التي تحاول كسر الحصار المفروض علي قطاع غزه تمثل تعبيراً مهماً عن قوه الضمير الشعبي العالمي. وياتي **اسطول الصمود العالمي** في هذا السياق باعتباره محاوله لايصال رساله انسانيه وسياسيه مفادها ان معاناه الفلسطينيين لا يمكن ان تستمر في ظل صمت دولي, وان الشعوب قادره علي التحرك حين تعجز المؤسسات الرسميه او تتاخر عن القيام بمسؤولياتها. لقد اظهر المشاركون في هذه المبادره شجاعه لافته في مواجهه واقع معقد, وتحملوا المخاطر من اجل لفت الانتباه الي ماساه غزه, مؤكدين ان التضامن مع المظلومين قيمه انسانيه تتجاوز الحدود والهويات. وهذه الرساله النبيله تستحق ان تُحفظ وان تبقي في اطارها الاساسي: الدفاع عن حياه الفلسطينيين وحقوقهم وكرامتهم. لكن قوه اي قضيه عادله تكمن ايضاً في قدرتها علي الحفاظ علي نقائها الاخلاقي, وعدم تحويلها الي منصه لتصفيه حسابات سياسيه اخري او لاعاده انتاج صراعات ايديولوجيه قديمه. ففلسطين, بما تحمله من تاريخ طويل من المعاناه والظلم, لا تحتاج الي مقارنات مفتعله او الي ربطها بملفات اخري حتي تثبت عدالتها; اذ ان الاحتلال والتهجير والحصار والقتل كافيه وحدها لتفسير حجم التضامن العالمي معها. حين تنحرف البوصله عن فلسطين في هذا السياق, اثار نشر شريط مصور يتناول العلاقه بين الصحراء المغربيه والقضيه الفلسطينيه نقاشاً واسعاً, خصوصاً في المغرب, حيث اعتبر كثيرون ان ادخال قضيه الصحراء في مبادره تاسست اساساً من اجل كسر الحصار عن غزه يمثل خروجاً عن الهدف الذي جمع المشاركين فيها. ومن المهم هنا التاكيد علي ان هذا الشريط لا يمكن اختزاله في موقف جميع المشاركين في **اسطول الصمود العالمي**, ولا التعبير عنه باعتباره موقفاً جماعياً للتحالف. فالغالبيه العظمي من المشاركين في هذه المبادره انخرطوا بدافع واحد وواضح: التضامن مع الشعب الفلسطيني, ورفض الحصار المفروض علي غزه, والمساهمه في ايصال صوت الفلسطينيين الي العالم. ان اختزال مئات الناشطين والمتضامنين من مختلف انحاء العالم في موقف ورد في ماده مصوره او تبنته جهات محدده داخل هذا الفضاء سيكون اجحافاً بحق كثيرين حملوا رايه فلسطين انطلاقاً من قناعه انسانيه واخلاقيه, لا من حسابات ايديولوجيه او اجندات سياسيه مرتبطه بقضايا اخري. لكن في المقابل, فان من حق المتابعين التساؤل عن الحكمه من ادخال ملفات خلافيه خارج الهدف الاصلي للمبادره. فاسطول الصمود لم يُنشا من اجل معالجه كل القضايا السياسيه في العالم, بل من اجل قضيه محدده وواضحه هي فلسطين, وتحديداً رفع الحصار عن غزه وابراز معاناه الفلسطينيين. وكل خروج عن هذا المسار يهدد بتشتيت الرساله واضعاف التعاطف الواسع الذي حظيت به المبادره. ان القضيه الفلسطينيه, بما تحمله من عداله انسانيه وتاريخيه, اكبر من ان تكون جزءاً من سجالات ايديولوجيه جانبيه, كما انها لا تحتاج الي ربطها بملفات اخري حتي تكتسب مشروعيتها. فغزه وحدها, بما قدمته من تضحيات ومعاناه, كافيه لتوحيد الضمائر واستنهاض التضامن العالمي. ومن هنا, فان الاشكال ليس في وجود اختلافات في الراي داخل اي حركه تضامن, فهذا امر طبيعي في المبادرات التي تضم اطيافاً متعدده, وانما في تحويل مبادره ولدت من اجل فلسطين الي مساحه لاقحام قضايا اخري لا تحظي بالاجماع بين المشاركين, وقد تؤدي الي ابعاد الانظار عن الرساله الاساسيه التي من اجلها تحركت هذه السفن. ان افضل خدمه يمكن تقديمها لفلسطين هي الحفاظ علي وحده المتضامنين حولها, واحترام تنوعهم, وعدم تحميلهم مواقف لم يتبنّوها, وفي الوقت نفسه رفض اي محاوله لتحويل التضامن مع غزه الي منصه لخلافات اخري. فلسطين لا تحتاج الي ظلم قضيه اخري ان الدفاع عن فلسطين لا يتطلب باي حال من الاحوال المساس بحقوق الاخرين او تجاهل حساسيات الشعوب وقضاياها الوطنيه. فكما ان الفلسطينيين يطالبون بحقهم في الحريه وانهاء الاحتلال, فان الشعوب والدول تتمسك بحقها في الحفاظ علي وحدتها وسيادتها. ومن هذا المنطلق, فان المقارنه بين القضيه الفلسطينيه وقضيه الصحراء المغربيه تفتقر الي الدقه, لان لكل ملف سياقه التاريخي والسياسي والقانوني الخاص. ففلسطين قضيه شعب يعيش تحت الاحتلال ويواجه مشروعاً استيطانياً وتهجيرياً, بينما يري المغاربه ان الصحراء المغربيه جزء لا يتجزا من تراب المملكه ووحدتها الوطنيه, وان اي مشروع يستهدف تقسيم البلاد يمثل مساساً بثابت وطني جامع. ان احترام عداله فلسطين لا يعني القبول بتوظيفها في سجالات اخري, كما ان الدفاع عن وحده المغرب لا يتعارض مع دعم الحقوق الفلسطينيه. بل ان المبدا الذي يجمع بين الموقفين هو احترام حقوق الشعوب, ورفض الظلم, والابتعاد عن المعايير المزدوجه. فلا يمكن ان ندافع عن حق شعب في ارضه وكرامته, ثم نقبل في الوقت نفسه ان تُستخدم شعارات الحريه لتبرير مشاريع تقسيم او اضعاف دول اخري. فالعداله لا تكون انتقائيه, وحقوق الشعوب لا ينبغي ان تتحول الي ادوات تخدم حسابات سياسيه متغيره. المغرب وفلسطين. ذاكره تاريخيه ووفاء شعبي لا يتغير ليس من قبيل المصادفه ان يرتبط اسم المغرب منذ قرون بفلسطين وبالقدس والمسجد الاقصي. فالمغرب الاقصي, الذي حمل اسمه صدي البعد الجغرافي والروحي نحو اقصي المشرق, ظل جزءاً من الوجدان الفلسطيني والعربي, كما ظل المغاربه يعتبرون القدس وفلسطين جزءاً من قضاياهم التاريخيه والانسانيه. ومنذ بدايه العدوان علي قطاع غزه وما رافقه من ماساه انسانيه غير مسبوقه, برز الشعب المغربي في مقدمه الشعوب التي عبّرت عن تضامنها مع الفلسطينيين. فقد خرجت حشود كبيره في مختلف المدن المغربيه, اسبوعاً بعد اسبوع, رافعه الاعلام الفلسطينيه ومندده بالقتل والحصار والتجويع, ومطالبه بوقف الحرب وانقاذ المدنيين. لقد تحولت شوارع الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجه ومراكش وغيرها من المدن المغربيه الي ساحات تضامن مفتوحه مع غزه, في مشهد يعكس عمق الارتباط الشعبي بالقضيه الفلسطينيه, بعيداً عن الحسابات السياسيه الظرفيه. ولم يكن هذا الحضور مجرد تعاطف عابر مع ازمه انسانيه, بل امتداداً لذاكره تاريخيه وشعور راسخ بان فلسطين قضيه عدل وكرامه. ان المغاربه الذين خرجوا في مسيرات التضامن, والذين حملوا صور اطفال غزه ورفعوا شعارات نصره فلسطين, لم يفعلوا ذلك بحثاً عن مكاسب سياسيه او انتظاراً لاشاده من احد, بل انطلاقاً من قناعه شعبيه عميقه بان الوقوف الي جانب المظلوم واجب اخلاقي. ومن هنا, فان اي خطاب او ماده اعلاميه تتضمن اساءه الي المغرب او تمس وحدته الوطنيه لا يمكن الا ان تُفهم باعتبارها اساءه الي شعب كان في طليعه الشعوب التي وقفت الي جانب غزه في اصعب لحظاتها. فالشعب الذي فتح قلبه لفلسطين, وخرج نصره لاهلها, لا يستحق ان تُقابل مشاعره بالتشكيك او ان تُستغل قضيته المقدسه لتمرير مواقف تمس ثوابته الوطنيه. التضامن مع فلسطين لا يحتاج الي وصايه ايديولوجيه ان فلسطين ليست بحاجه الي استيراد خلافات اخري حتي تكتسب عدالتها, كما ان نصرتها لا تحتاج الي وصايه من تيارات سياسيه او ايديولوجيه عاشت زمناً طويلاً داخل ثنائيات الماضي. لقد اثبتت غزه ان فلسطين قادره علي جمع المختلفين حول العالم, من حركات حقوقيه وانسانيه ونقابات وشخصيات مستقله, وان قوتها تكمن في بعدها الاخلاقي والانساني. لذلك فان تحويل التضامن معها الي مساحه لتصفيه حسابات تاريخيه او صراعات ايديولوجيه قديمه يسيء الي القضيه اكثر مما يخدمها. ان بعض القراءات التي تحاول وضع قضايا مختلفه ضمن قالب واحد تنتمي الي زمن سياسي سابق, حين كانت خرائط الحرب البارده تتحكم في كثير من المواقف والتحالفات. اما اليوم, فان احترام الشعوب يقتضي قراءه اكثر تعقيداً وعدلاً, تميز بين القضايا ولا تختزلها في شعارات جاهزه. ان اسطول الصمود العالمي قدم صوره مهمه عن التضامن الشعبي الدولي مع غزه, وهذه الصوره تستحق التقدير. لكن الحفاظ علي رسالته يقتضي ابقاء البوصله موجهه نحو الهدف الذي انطلق من اجله: رفع الحصار عن الفلسطينيين, حمايه المدنيين, وايصال صوت غزه الي العالم. اما تحويل مبادرات التضامن الي منصات للتشكيك في وحده الدول او المساس بثوابتها الوطنيه, فانه يفتح نقاشات جانبيه ويشتت الجهد عن القضيه الاساسيه. في النهايه, تبقي القاعده الاخلاقيه الواضحه: **نصره المظلوم لا تكون بظلم الاخرين, والدفاع عن حق شعب لا يكون عبر انكار حقوق شعوب ودول اخري.** ففلسطين قضيه عداله تستحق كل التضامن, والمغرب وطن له تاريخه وهويته ووحدته وسيادته. وبين الامرين لا يوجد تناقض; لان من يدافع عن الحريه الحقيقيه لا يمكن ان يكون خصماً لحق الشعوب في الحفاظ علي اوطانها. وفلسطين التي احبها المغاربه ودافعوا عنها في الشوارع والساحات, تستحق ان تبقي قضيه جامعه للضمائر, لا ان تتحول الي اداه لايذاء من وقفوا الي جانبها.
عادل الحامدي يكتب: المغرب وفلسطين تضامن تاريخي لا تُفسده حسابات الحرب الباردة
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: الأيام24