انا من بلادٍ كان الحصول علي رغيف الخبز اسهل من الحصول علي موافقه, وكان لكل شيء موافقه: السفر, والعمل, والاجتماع, والكلام. وربما التنفس لو استطاعوا ان يجدوا له استماره. قيل لنا ان حزب البعث في سوريه هو قائد للدوله والمجتمع. ولم افهم يومها لماذا يحتاج المجتمع الي قائد اذا كان المجتمع نفسه واقفاً في الطابور ينتظر توقيع الموظفٍ الذي يخشي توقيع مديره, والمدير ينتظر موافقه مسؤول اعلي, وذلك المسؤول ينتظر ان يعرف ماذا يريد المسؤول الاعلي منه. لم تكن البيروقراطيه مجرد نظام اداري, بل كانت عقيده كامله, انها عقيده القياده الحكيمه والرشيده. اما انا, فقد اصطدمت بهذا الواقع اكثر من مره. ومن تلك الاصطدامات ما حدث داخل المكتب التنفيذي لمحافظه حلب, حين اكتشفت ان الراي لا يُوزن بقوته ولا بمنطقه, بل بمقدار انسجامه مع ما يرغب اصحاب القرار في سماعه. يومها لم اخسر حجه, بل خسرت وهماً كان يراودني بان النقاش وحده قادر علي تغيير القرار. فضربت بعرض الحائط هذه المقوله مبروك ثقه القياده التي اصبحت عنوناً كاريكاتورياً لكل من يتسلق منصباً. ولم تكن تلك الحادثه الوحيده, لكنها كانت من اكثرها دلاله, فقد ايقنت ان المشكله لم تكن في الاشخاص بقدر ما كانت في منظومه تري ان الاختلاف تهمه, وان السؤال خروج عن الصف, فالقياده الرشيده هي التي تفكر عنك في كل شيء. حتي ماذا ستفعل في الليل. لم تكن مشكلتي مع الوطن, ولا مع الناس, بل مع فكره ان يتحول الانسان الي رقم, وان يصبح السؤال الدائم ليس: هل انت علي حق? بل: من يقف خلفك? كان الاصطدام مكلفاً, لكنه علّمني ان الصمت قد يكون احياناً اكثر ضجيجاً من الكلام. والغريب ان الجميع كان يشتكي همساً, فاذا اجتمعوا تحول الهمس الي تصفيق, وطبل ودبكه شعبيه بناء علي توجيهات الامن للتصدي امام محاولات الامبرياليه العالميه للنيل من صمودنا الذي لم اعرفه انذاك, وكل ذلك في الساحات العامه وبديمقراطيه موجهه من اولي الامر. مع تفقد لمن لا يحضر, وانا منهم. كان الخوف اللغه الرسميه, اما الحقيقه فكانت تتسلل خلسه بين الاصدقاء الموثوقين. ومع ذلك, فان الانصاف يقتضي ان نقول ان الاوطان لا تُختزل في الانظمه, كما ان الشعوب لا تُحاكم باخطاء الحكام. سوريه كانت اكبر من البعث, وستبقي اكبر من اي حزب, لانها صُنعت بتاريخها, وباهلها, وبحضارتها, لا بالشعارات المعلقه علي الجدران. لقد اصطدمت بالبعث, نعم. وكنت شاهداً علي بعض اليات عمله من الداخل, لكنني لم اصطدم بسوريه. فالفرق كبير بين ان تعترض علي اداره وطن, وبين ان تتخلي عن الوطن نفسه. ويبقي السؤال: هل كانت المشكله في المواطن الذي كان يسال, ام في نظامٍ كان يخشي السؤال? اللهم اشهد اني بلغت.
جمهورية الموافقات
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: انباء اكسبريس