صندوق الإيداع والتدبير أرباح قياسية تُخفي أسئلة معلقة حول الحكامة وجودة الاستثمار

صندوق الإيداع والتدبير أرباح قياسية تُخفي أسئلة معلقة حول الحكامة وجودة الاستثمار

حقق صندوق الايداع والتدبير خلال السنوات الاخيره نتائج ماليه لافته, بعد انتقاله من تسجيل خسائر بمليارات الدراهم الي تحقيق ارباح قياسيه, في تحول اعتبره كثيرون مؤشراً علي تحسن الاداء المالي للمؤسسه. غير ان هذه الارقام, رغم اهميتها, لا تكفي وحدها للحكم علي حصيله مؤسسه تعد من اكبر المؤسسات الماليه العموميه بالمغرب, بالنظر الي طبيعه الاموال التي تديرها, والتي تشمل مدخرات واحتياطيات ذات طابع اجتماعي واستراتيجي. فصندوق الايداع والتدبير ليس شركه تجاريه تبحث فقط عن تعظيم الارباح, بل مؤسسه تضطلع بمسؤوليه وطنيه في تدبير اموال مرتبطه بالتقاعد والادخار والاستثمار العمومي, وهو ما يجعل معيار النجاح يتجاوز الارباح السنويه الي جوده الاستثمار, واستدامه العائد, وحسن الحكامه, والقدره علي حمايه المال العام. ارباح مهمه لكن من اين جاءت? الارقام تؤكد ان المجموعه استطاعت تحسين نتائجها بشكل كبير, بعدما انتقلت من خسائر خلال سنه 2022 الي ارباح متصاعده خلال السنوات اللاحقه, كما ارتفع الناتج البنكي الصافي والاموال الذاتيه وحجم الاصول. لكن قراءه متانيه لهذه النتائج تبرز ان جزءاً من هذا التحسن ارتبط باداء الاسواق الماليه واعاده تقييم بعض الاصول, اكثر مما ارتبط بتحسن الانتاجيه او المردوديه التشغيليه لمختلف الشركات التابعه. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع المؤسسه الحفاظ علي هذه الارباح اذا تغيرت ظروف الاسواق الماليه? ام ان جزءاً مهماً منها يظل رهيناً بتقلبات الظرفيه الاقتصاديه? قطاعات لا تزال تنزف ورغم الاداء المالي الجيد لبعض الاذرع البنكيه والاستثماريه, فان عدداً من القطاعات التابعه للمجموعه ما يزال يسجل خسائر متواصله, خاصه في مجال السياحه والتنميه الترابيه وبعض المشاريع العقاريه. وتكشف المؤونات الماليه الضخمه التي خصصتها المؤسسه لعدد من الشركات والاستثمارات ان معالجه ارث المشاريع المتعثره لم تكتمل بعد, وان بعض الملفات ما تزال تثقل ميزانيه المجموعه. وهذا يعني ان الارباح المحققه في قطاعات معينه اصبحت تغطي خسائر قطاعات اخري, وهو وضع لا يمكن ان يستمر علي المدي البعيد دون مراجعه عميقه لسياسه الاستثمار. اين نتائج اصلاح الحكامه? خلال السنوات الماضيه, صدرت عده توصيات عن المجلس الاعلي للحسابات دعت الي تحديث منظومه الحكامه داخل الصندوق, وتعزيز مراقبه الشركات التابعه, وتوحيد اليات تدبير المخاطر, وتحيين الاطار القانوني الذي يعود الي سنه 1959. ورغم اعلان المؤسسه اعتماد اجراءات جديده في مجال التدقيق الداخلي ومكافحه الفساد وتدبير المخاطر, فان الراي العام ما يزال ينتظر مؤشرات اكثر وضوحاً حول الاثر الفعلي لهذه الاصلاحات. فالحديث عن لجان للتدقيق وانظمه للمراقبه يبقي خطوه ايجابيه, لكنه لا يعوض الحاجه الي تقييم مستقل يوضح للراي العام مدي تنفيذ التوصيات السابقه, وما اذا كانت الاختلالات التي سجلتها اجهزه الرقابه قد تمت معالجتها بشكل نهائي. المال العام يحتاج الي الشفافيه اكثر من الارقام النقاش اليوم لا يتعلق فقط بحجم الارباح, بل بطريقه تحقيقها, وجوده الاستثمارات, ومدي مساهمه المشاريع المموله في خلق الثروه وفرص الشغل وتحقيق التنميه. فالمغاربه ينتظرون من مؤسسه بهذا الحجم ان تقدم نموذجاً في الشفافيه وربط المسؤوليه بالمحاسبه, وان تنشر بشكل دوري معطيات مفصله حول مردوديه استثماراتها, ومال المشاريع المتعثره, وخطط اعاده هيكلتها. كما ان تحديث الاطار القانوني المنظم للصندوق اصبح ضروره اكثر من اي وقت مضي, حتي يواكب حجم المؤسسه الحالي وتشعب انشطتها, ويعزز اليات الرقابه والحكامه بما ينسجم مع متطلبات المرحله. الارباح وحدها لا تكفي لا شك ان الانتقال من الخساره الي الربح يمثل مؤشراً ايجابياً يحسب لاداره المؤسسه, لكن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالارباح المسجله في نهايه السنه الماليه, بل بقدره المؤسسه علي تحقيق ارباح مستدامه, وتقليص بؤر الخساره, وحسن تدبير الاستثمارات, وضمان حمايه الاموال العموميه التي تشكل اساس عملها. فكل درهم يديره صندوق الايداع والتدبير يرتبط بشكل مباشر او غير مباشر بحقوق ملايين المواطنين, سواء تعلق الامر بمدخرات التقاعد او الادخار او الاستثمارات العموميه, ولذلك فان اي تقييم للحصيله يجب ان ينطلق من سؤال جوهري: هل اصبحت المؤسسه اكثر ربحيه فقط, ام اصبحت ايضاً اكثر حكامه وشفافيه ونجاعه? ويبقي الجواب النهائي رهيناً بصدور تقييمات رقابيه مستقله وحديثه, قادره علي قياس اثر الاصلاحات المعلنه, والكشف عما اذا كانت المؤسسه قد طوت فعلاً صفحه الاختلالات السابقه, ام ان بعض بؤر التعثر ما تزال قائمه, وان كانت اقل ظهوراً خلف الارقام الايجابيه.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: فاس 24
شارك: