عندما تنتصر إرادة العقل والحكمة في قضية المرابط

عندما تنتصر إرادة العقل والحكمة في قضية المرابط

بقدر ما لم افهم فيما كان يفكر علي المرابط عندما قرر فجاه الدخول الي المغرب, بعد ازيد من خمس سنوات من البث المتواصل علي قناته في يوتيوب, من منفاه الاضطراري باسبانيا, بقدر ما كنت موقناً بان الدوله, في ظل السياق الحالي والظروف التي تمر منها البلاد, لن تسقط في فخ انتاج متاهه حقوقيه جديده, وستتفادي اعتقال مؤسس مجله دومان. الا ان التخوف من ان تاتي الوقائع علي الارض عكس هذه التقديرات, لتعيد صياغه المشهد بناءً علي المنطق ذاته الذي يطبع المرحله, والذي كلما توهّمنا, في لحظات تفاؤل عابره, اننا بصدد القطع مع الياته وفتح صفحه انفراج جديده, لنكتشف اننا ما زلنا نراوح نفس المكان, محكومين برادارات مقاربه امنيه لا تؤمن بالانعطافات التاريخيه, ولا تري في هوامش الانفراج سوي ثغرات يجب اغلاقها بسرعه قبل ان تتسع; ظل حاضراً بقوه منذ الاعلان عن توقيفه زوال يوم الاحد الماضي. وبعد ثلاثه ايام قضاها تحت تدابير الحراسه النظريه, غادر المرابط مقر الفرقه الوطنيه صوب المحكمه للمثول امام وكيل الملك, الذي قرر اطلاق سراحه ومواصله البحث في قضيته; بعدما جري تمتيعه بكافه الضمانات والحقوق التي يكفلها له القانون, وفق ما حمله بلاغ النيابه العامه الصادر صباح اليوم. واذا كان لنا ان نضع عنواناً لهذه النهايه السعيده لواحده من اعقد حوادث السير التي وقعت بين الصحافه والسلطه والقضاء في المرحله الحاليه, فهو بلا شك الانتصار اللافت لاراده التعقل والحكمه لدي كافه الاطراف, بما في ذلك علي المرابط نفسه, الذي تحلي بشجاعه ومرونه لافتتين, ليس فقط بقراره الجريء بالدخول الي المغرب, بل بامتثاله الفوري للمساطر القانونيه دون استعراض او ضجيج. لا يمكن اعتبار الافراج عن مؤسس مجله دومان, بالنظر الي طبيعه وسقف المحتوي الذي واظب علي بثه عبر قناته في يوتيوب طيله السنوات الخمس الماضيه, الا خطوه ذكيه وانفراجاً ايجابياً في هذه القضيه التي سرعان ما شغلت الراي العام الوطني والدولي; خاصه في سياق الاستعداد للاحتفال بمرور 27 سنه علي اعتلاء الملك محمد السادس العرش, وعلي بعد اقل من عشره اسابيع علي اجراء الانتخابات التشريعيه. لقد ابانت الدوله والقضاء, في هذه القضيه, عن حكمه واستعداد كبيرين للقفز فوق سوء الفهم الكبير والقديم الذي ظل يطبع العلاقه بين صحافي مشاكس, وسلطات لا تتحمل كثيراً مشاكسته; واثبتت هذه المره انها قادره علي مغالبه هواجسها, وتغليب لغه العقل علي منطق كسر العظام, في خطوه تفادت بها البلاد الوقوع في مستنقع معركه مجانيه كان يمكن ان تهدر الكثير من منسوب الهدوء السياسي المطلوب في هذه الظرفيه الاستثنائيه. ان الانفراج الذي حصل اليوم في قضيه علي المرابط, يعيد الي طاوله النقاش الحاجه الملحه لصياغه اليه دائمه للحوار بين الدوله والصحافيين الذين يحظون بحضور وازن في الداخل والخارج; كما في الدول الديمقراطيه التي لا تتردد في فتح قنوات تواصل مستمره مع ابرز اقلامها وصناع الراي فيها, بغرض حل الخلافات وتفكيك الالغام قبل تفاقمها, لان توتر العلاقه بين الدوله والصحافه لم يخدم يوماً مصلحه البلد, بل جعل الدوله بالخصوص, وفي محطات عديده, تدفع فاتوره باهظه كان يمكنها ان تتفادي كلفتها بقليل من قنوات التواصل المفتوحه, وبكثير من الاستيعاب المتبادل. علي المرابط, في نهايه المطاف, ليس ملاكاً ولا كائناً منزهاً عن الخطا; شانه في ذلك شان كل الصحافيين في العالم. قد يخطئ, او يخونه التعبير, او يقوده الاندفاع, واحياناً الغضب, الي اثاره معارك مستنزفه لا تخدم احداً, ولا تقدم اي طائل للمغرب الذي ما زال يتحسس طريقه نحو الديمقراطيه, ونحو مجتمع يملك الشجاعه لقبول اختلاف الراي, ويؤمن بان حريه الصحافه هي الدعامه الاساسيه التي لا يمكن بدونها بناء صرح ديمقراطي حقيقي. واذا اخطا, فالمسؤوليه المهنيه تقتضي ان يعترف وان يعتذر في اطار الاخلاقيات والاداب المتعارف عليها كونياً في عالم الصحافه. الرهان الاكبر والاهم اليوم, هو ان ننجح جميعاً, بعلي المرابط او بدونه, في تبديد هذا التوجس وسوء الفهم المزمن الذي عكر صفو العلاقه بين الدوله والصحافه لما يقرب من ثلاثه عقود; وان يقتنع اصحاب القرار بان المغرب سيربح من الطمانينه السياسيه والانفراج الحقوقي اكثر بكثير مما يتوهم البعض خسارته, اذا سمح لصحافه جاده, حره, ومسؤوله بان تنبعث من جديد, وان تمارس دورها الطبيعي كمراه تعكس تطلعات المجتمع, وسلطه رابعه تقوي مناعه الدوله وتلمع صوره الوطن. الباقي مجرد هواجس لا تبني حاضراً ولا تصنع مستقبلاً.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: لكم
شارك: