أخلاق الأسود

أخلاق الأسود

نستطيع ان نتفلسف كثيرا, لاستنطاق انجازات المنتخب الوطني, المنفصله نسبيا عن سياقنا العام الذي لا يخلو من خيبات, وتقويلها ما نشاء من الاحلام والامنيات, وتحميلها ما لا تحتمل. كما نستطيع, بقليل من العقلانيه والواقعيه, ان نفعل ما حاولنا فعله رفقه اصدقائنا في برنامج من الرباط, في حلقته الاخيره. اي ان نحوّل هذه الانجازات الي مراه نكتشف من خلالها مكامن قوتنا الخفيه, وعيوب ملامحنا وخدوش وجوهنا, ونستنبط منها وصفه النجاح التي عجزنا عن تشكيلها محليا, فنجحنا في بلوغها عالميا. لكن ما لن نختلف فيه, عاطفيين وعقلانيين, هو ان اقوي واثمن ما يمنحه لنا منتخب الكره ليس لذه الفوز وحدها, ولا نشوه التاهل, ولا صوره العلم الوطني وهو يرفرف في مدرجات بعيده, بل ذلك الدرس الاخلاقي الذي ياتي في شكل افعال صغيره, وسريعه, وعابره, لكنها عميقه وداله. لم ياتنا هذا الدرس في شكل مدونات للسلوك, ولا في خطب رنانه, ولا في وصايا مدرسيه عن التعاون والوفاء. بل جاءنا في تمريره. وفي حضن صادق. وفي لاعب يستطيع ان يسدد فيختار ان يمرر. وفي قائد يغضب لانه لا يقبل ان يُداس رفاقه, ثم في زميل اطول قامه واهدا اعصابا يدخل كجدار فاصل ليحمي اخوته من قوه اللحظه. يكفينا هنا ان نتوقف عند تلك التمريره-الهديه التي قدمها ابراهيم دياز لعز الدين اوناحي, ليسجل منها هذا الاخير هدفا اسعد الملايين. في قاموس اللعبه, هي مجرّد تمريره حاسمه. وفي لغه الاحصاء, هي رقم جديد يضاف الي رصيد لاعب لم يسجل, لكنه يصنع اللعب ويمنح غيره طريقا الي المرمي. لكن في لغه اعمق, فهي شيء اخر. هي خروج من ضغط الذات. دياز, الذي هوجم كثيرا لانه لم يسجل, كان يستطيع ان يبحث عن لقطه شخصيه تعفيه من سؤال الجمهور, وان يراوغ اكثر, او يسدد من زاويه اصعب, او يفتش عن هدف يرد به علي منتقديه. لكنه, في لحظه الحسم, لم يختر نفسه. بل اختار الفريق. ويكفيك, وانت تتسكع رقميا متسلقا شاشه هاتفك, ان تتوقف بابهامك عند تلك اللقطه التي كاد فيها لاعبو المنتخب المغربي يشتبكون بعنف مع نظرائهم الكنديين, بعدما بدا الامر مع حكيمي وجاءه المدد في شخص دياز, قبل ان يحل بهم عيسي ديوب بقامته الفارهه, ويدخل كجدار فاصل, متصديا للكنديين, حاميا زملاءه خلف ظهره, كما يفعل كل اخ اكبر حين يصادف اخوته الصغار في اشتباك عنيف. في زمن صار فيه كثيرون يسخرون من معاني الاخوه, ويعتبرون التضامن سذاجه, والوفاء ضعفا, والتدخل لحمايه الاخر تهورا, ياتي لاعب كره قدم, في ثانيه خاطفه, ليعيد تلك المفردات الي معناها الاول. لم يكن عيسي ديوب يكتب درسا في الاخلاق. كان فقط يتصرف كما تُملي الفطره السليمه, والرجوله الحقيقيه, حين تري الرفيق في عين العاصفه, تقترب, وتحمي, وتفصل, ثم تعيد الجميع الي المباراه. بعيدا عن سبوره النتائج والحصاد النهائي الذي سيخرج به منتخب محمد وهبي من مونديال الامريكيتين, من حيث اللقب والانتصارات, يبدو هذا الدرس الاخلاقي للاعبين مثيرا للاعجاب والدهشه. كيف يحتضنون ضعيفهم حتي يقوي, ويدعمون قويهم حتي يظفر, ويحيطون بمتوسطهم حتي يكبر وينمو. في مباراه كندا, لم يكن المغرب جيدا في الشوط الاول. الضغط الكندي كان عاليا, والارتباك المغربي واضحا. لكن ما جري بعد الاستراحه لا يفسر بالخطط وحدها. نعم, هناك تعديل تكتيكي. وهناك قراءه افضل للضغط. وهناك استغلال للمساحات. غير ان الاعمق هو ان الفريق لم يترك نفسه ينهار لانه لم يكن جيدا. ولم يبحث عن كبش فداء. ولم يقل ان اصابه الصيباري افسدت كل شيء. بل احتضن ضعفه المؤقت حتي صار قوه لاحقه. هذا معني اخلاقي قبل ان يكون كوتشينغ. كم مره في حياتنا العامه, نعدم الشخص او المؤسسه او الفكره لانها تعثرت في طور اول? كم مره نتحول الي جمهور قاس لا يري الا الخطا, ولا يمنح فرصه للتصحيح? المنتخب, في تلك المباراه, قال شيئا اخر: الضعف الظرفي ليس نهايه. والارتباك ليس حكما ابديا. والشوط الثاني (الفرصه الثانيه) ممكن دائما, اذا بقيت الجماعه متماسكه, واذا وجد كل منا من يحميه الي ان يستعيد نفسه. ياسين بونو, في هذا المنتخب, ليس حارسا فقط. هو مؤسسه طمانينه. لا يمنح الاطمئنان لانه يتصدي فقط, بل لانه لا يبدو كمن يطلب البطوله لنفسه. في ملامحه ذلك الهدوء النادر الذي يجعل زملاءه يصدقون ان الخطا قابل للاصلاح, وان الوقت لم ينته, وان المباراه, مهما ضاقت, لا تزال قابله للفتح. واشرف حكيمي يقدم بدوره شكلا اخر من هذا الدرس. هو ليس قديسا, ولا يحتاج الي ذلك. لكنه لاعب كبير, حاد, ومندفع, وسريع الغضب احيانا, لكنه لا يختبئ. في لحظات الضغط, يظهر. في الكرات الثابته, يضع قدمه امام انياب حذاء الخصم. وفي الصراعات, يتقدم. يجسّد حكيمي مفهوم القياده التي تتجاوز مستوي الخطابه والفهامات, ولا اصدار التعليمات والاوامر, ولا حمل شاره علي الذراع. القياده ان تحمل مع الاخرين, لا ان تطلب منهم ان يحملوا عنك. ان تجعل من حولك اقوي, لا ان تسحب الضوء منهم. ولا يقل عن ذلك معني, ما يفعله اوناحي ورحيمي والصيباري وبقيه الوجوه التي لا تاتي دائما في اول الحكايه. كره القدم, مثل الحياه, لا تبني فقط علي النوابغ والعباقره. في جميع المجالات, هناك افراد يحتاجون الي سياق جيد كي يكبروا. يحتاجون الي ثقه, والي تمريره في وقتها. اوناحي, الذي عرفه العالم في قطر كواحد من اجمل اكتشافات الوسط المغربي, عاد ليظهر بصوره اللاعب الذي لا يكتفي بتنظيم الايقاع, بل يحسم. ورحيمي, الذي دخل اضطراريا بعد اصابه الصيباري, لم يتصرف كبديل عابر. بل انتظر لحظته, وتحرك, ثم وضع اسمه في نهايه الحكايه. نعيش زمنا يكثر فيه الكلام عن نهايه القيم. نقول ان الاحسان اندثر, وان الفطره صدئت, وان الخير صار ماده للسخريه, وان الناس لم يعودوا يرون في الاخر الا منافسا او عبئا او تهديدا. ثم تاتي كره القدم, بكل بساطتها وخشونتها وضجيجها, لتضع امامنا مشاهد صغيره تنقض هذه الاحكام الكبيره. المطلوب اليوم ليس ان نحوّل المنتخب الي اسطوره اخلاقيه, ولا ان نحمّله ما لا يحتمل. كره القدم تبقي لعبه, فيها المصالح, والحسابات, والاخطاء, والغرور احيانا, وكل ما في البشر من اعطاب. لكن اجمل ما في هذه اللحظه انها تذكّرنا بان الخير لم ينقرض. انه قد يختفي تحت طبقات من التعب والشك والتهكم, لكنه يظهر فجاه في تمريره صحيحه, او يد ممدوده, او جسد يقف بين رفيقه والخطر. قد يفوز المغرب بما تبقي من مبارياته, وقد يتوقف في محطه قادمه. هذه هي كره القدم. لا تمنح ضمانات لاحد. لكن ما منحنا اياه هذا المنتخب في الايام الاخيره يتجاوز النتيجه, وان كان لا ينفصل عنها. لقد منحنا دليلا حيا علي ان النجاح لا ياتي بالموهبه وحدها, ولا من التخطيط وحده, بل من خُلق جماعي يجعل الموهبه اكثر تواضعا, والقوه اكثر رحمه, والنجاح اقل انانيه.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: صوت المغرب
شارك: