الارقام في مواجهه البنيات السوسيو-اقتصاديه رغم المكتسبات الرقميه التي حققها المغرب في مجال مكافحه تشغيل الاطفال, لا تزال الظاهره تُخفي وراءها تعقيدات بنيويه ترتبط بجدليه الهشاشه الاسريه والسياسات العموميه المتبعه لمواجهتها. هذا الملف عاد الي واجهه النقاش الوطني عقب تقديم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لمخرجات رايه حول موضوع: من اجل سياسه عموميه ناجعه للقضاء علي تشغيل الاطفال بالمغرب. الا ان التدقيق في ثنايا هذا النقاش يكشف عن مفارقه واضحه وتقاطعات مثيره بين المقاربه الاجتماعيه والوقائيه التي يدافع عنها رئيس المجلس, عبد القادر اعماره, وبين الرؤيه الماكرو-اقتصاديه والماليه التي يعبر عنها بنك المغرب (علي لسان مديره المركزي ومحافظه), والتي تدعو الي اعاده النظر في منظومه الدعم المباشر والتركيز بدلاً من ذلك علي خلق فرص الشغل المستدامه كحل جذري لمعالجه الهشاشه الاسريه. مقاربه اعماره: مكاسب ملموسه ولكن الهشاشه لا تزال تُفرّخ الاستغلال في الشق المتعلق بالواقع الميداني, شدد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي, عبد القادر اعماره, علي ضروره تظافر الجهود من اجل محاربه ظاهره تشغيل الاطفال, مستنداً الي تراجع ايجابي وملموس في المؤشرات; اذ انخفض عدد الاطفال المزاولين لنشاط اقتصادي (بين 7 و17 سنه) من 517 الف طفل سنه 1999 الي نحو 101 الف طفل سنه 2024, وهو انخفاض تجاوزت نسبته 80%. لكن اعماره نبه الي ان هذا التراجع العددي لا يحجب بقاء مظاهر قاتمه للظاهره, لا سيما في: الاشغال الخطره والعمل المنزلي القسري. التسول المنظم وبعض اشكال الاستغلال الجنسي التي تهدد مسارهم التعليمي وحقوقهم الاساسيه. ودعا رئيس المجلس الي تجاوز الاطار الاستراتيجي المحدود نحو سياسه عموميه وطنيه مندمجه تعزز التكامل بين التعليم والتكوين, مع تامين مسارات الشباب (16-18 سنه) لتيسير انتقالهم نحو الحياه العمليه بكرامه, مبرزاً ان العوامل البنيويه كالهشاشه الماليه للاسر, والصعوبات الاجتماعيه, واتساع نطاق الاقتصاد غير المهيكل هي المحرك الاساسي لالقاء الاطفال في سوق الشغل. مفارقه السياسات: نداء اعماره للحمايه يقابله توجه بنك المغرب نحو فرمله الدعم الريعي هنا تبرز المفارقه الكبري عند تقاطع تشخيص المجلس الاقتصادي مع التوجهات الماليه الاخيره لبنك المغرب. ففي الوقت الذي تُجمع فيه التقارير الاجتماعيه علي ان الدعم الاجتماعي المباشر للاسر المعوزه يشكل صمام امان لوقايه الاطفال من الهدر المدرسي وسوق الشغل, يخرج المدير المركزي وبنك المغرب برؤيه مغايره تحذر من الاستمرار في منطق الدعم الاستهلاكي غير المنتج. ودعا بنك المغرب في محطات تقييميه عده الي: الوقف التدريجي او عقلنه الدعم المالي المباشر لتفادي انتاج عقليه اتكاليه داخل النسيج السوسيو-اقتصادي. توجيه الموارد نحو حلول هيكليه بديله وعلي راسها التشغيل, معتبرين ان ادماج رب الاسره في سوق الشغل المنظم هو الكفيل بضمان كرامه العائله واستقرارها المالي المستدام, بدل الاعتماد علي مساعدات الدوله. التقاطع والمال: هل يحل التشغيل محل الدعم في حمايه الطفوله? هذه المفارقه تضع صانع القرار المغربي امام معادله صعبه; فمقاربه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تري في الدعم والوقايه الاجتماعيه وتاهيل المسارات التعليميه حائط الصد الاول لمنع استغلال الاطفال, بينما تنبه المؤسسه البنكيه المركزيه الي ان الاستمرار في سياسه الدعم دون ربطها بخلق حقيقي لفرص الشغل وتنافسيه اقتصاديه سيعمق عجز الميزانيه دون اقتلاع الفقر من جذوره. ان القضاء النهائي علي النسبه المتبقيه من تشغيل الاطفال بالمغرب (101 الف طفل) يتطلب, وفقاً للمراقبين, جسر الهوه بين هاتين الرؤيتين; اي عبر استثمار اموال الدعم الاجتماعي ليس كصدقه مؤقته, بل كرافعه مؤطره مشروطه ببقاء الاطفال في المدارس, بالتوازي مع تنزيل توصيات بنك المغرب بانعاش التشغيل الكرام لاباء هؤلاء الاطفال, لضمان الا تظل الاسر الحلقه الاضعف التي تدفع بابنائها الي محرقه الاشغال الخطره والاقتصاد غير المهيكل.
بين مقاربة المجلس الاقتصادي ورؤية بنك المغرب: معضلة تشغيل الأطفال وهشاشة الأسر في مرآة “الدعم الاجتماعي والتشغيل”
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: فاس 24