سرحان في حضرة كرة القدم  الألقاب والأيقونات وصناعة المجد والأساطير

سرحان في حضرة كرة القدم الألقاب والأيقونات وصناعة المجد والأساطير

كره القدم ليست فقط مجرد لعبه تُقاس بالاهداف والالقاب, بل هي سرديه كبري يكتبها الزمن باقدام اللاعبين وذاكره الجماهير; وفي كل حقبه, لا يخّف المونديال وراءه كاسًا مرفوعه فحسب, بل يترك ايضا ايقونات حيه واسماء تتجاوز حدود الملعب لتصير جزءا من اسطوره اللعبه. في نصي الشاعر سعد سرحان, ضمن, تتبّعٌ لتلك الايقونات والالقاب, باعتبارها مفاتيح لفهم جوهر كره القدم, بمعني كيف تصنع المجد, وكيف تخلّد الرجال, وكيف تمنح الشعوب, كما فعلت مع المغرب, لحظتها النادره في قلب التاريخ. (الايقونه) كاس العالم, الكاس وليس النهائيات, هي ايقونه اللعبه, بَلْ درّه تاجها, فدونه كلّ جوائزها الاخري من كؤوس وميداليات واحذيه ذهبيه غير انّ كلّ دوره من دوراته ترافقها ايقونه اخري من لحمٍ ودمٍ ولا تنسي. في ابريل من سنه 1982, انهي باولو روسي عقوبه الايقاف عن اللّعب التي كان محكومًا بها عقب اتهامه بالتلاعب في نتائج المباريات, والتي كانت محددّه في ثلاث سنوات قبل ان يجري تخفيضها الي سنتين. مفارقتان رافقتا ذلك, الاولي انّ يوفنتوس وقّع عقدًا مع اللّاعب وهو بعدُ قيد العقوبه, والثانيه انّ مدرب المنتخب, بيرزوت, استدعاه فورًا لخوض نهائيات كاس العالم التي كانت علي الابواب. ولقد احتاج عشّاق اللّعبه الي الجنون شخصيًّا حتي يفهموا ما يحدث مع الفتي, خصوصًا وانّ ايطاليا تعجّ بالنجوم من مختلف الكعوب. بعد دورٍ اوّل للنسيان, سينفجر باولو روسي بتسجيل ستّه اهداف, ثلاثه منها علي اعظم نسخه من البرازيل, ليتوّج بكاس العالم وهدّاف الدوره والكره الذهبيه. فتاكّد بذلك للجميع انّ السيده العجوز لم تكن تخرف, وانّ الحكيم اينزو كان يتمتّع بالبصيره تحت الحمراء, والّا كيف ابصر في طينه خامله عروقًا تنبض بالذهب. مونديال 1986 هو مونديال المارد مارادونا بدون منازع. ففيه سجّل باليد اغرب هدف وبالقدم اعظم هدف في القرن, دون احتساب الاهداف القاتله التي سجّل بلسانه حين ردّه علي الصحافه بشان ذلك. في ذاك العام, كان مارادونا لاعبًا وقائدًا ومنتخبًا وارجنتينًا لوحده, فارتقي بذلك الي مصافّ الهه الاولمب. في ذاك العام, قال مارادونا: ها انذا كما لم ولن يقولها فتًي سواه. بعد اربع سنوات, كان العالم علي موعد مع ايقونه بلون اخر, ايقونه من ابنوس افريقيا. فمع انّ الكاميرون كانت تملك اعظم منتخب في تاريخها, فذلك لم يمنع رئيس البلاد شخصيًّا من الاتصال بالعجوز روجي ميلا, ليعيده من الاعتزال الي البلاء الحسن في الملعب. وتقريبًا كما حدث مع روسي, سجّل ميلا اهدافًا حاسمه وفاز بالكره الذهبيه الافريقيه عن سن الثامنه والثلاثين كاكبر من يفعل, واهدي جماهير كره القدم تلك الرقصه البديعه عند الرّكنيه. واذا كان للتاريخ ان ينسي, وهو يتعمّد احيانًا ان يفعل, فلن ينسي ابدًا هدفه الماكر علي الحارس هيغيتا وهو في عزّ غروره. لم يكتف روجي ميلا بذلك, فقد عاد في المونديال اللّاحق ليزيد كره القدم من الشعر بيتًا, فقد سجّله وهو في عامه الثالث والاربعين, مره اخري, كاكبر لاعب يفعل في تاريخ المونديال. ذلك المونديال ايضًا كانت له ايقونته, سوي انّها لم تكن من فرح او هتاف او ذهب, بل كانت من كَمَدٍ خالص, كَمَدٍ لا خلاص منه اجل, هو بالضبط من اقصد: روبيرتو باجيو. في مونديال 2006, سيكون للايقونه طعم اخر, لا هو بالفرح ولا هو بالكمد, انّه طعم الكرامه هذه المرّه, فردًّا علي المسّ بعرضه سدّد زيدان نطحته الشهيره لماتيرازي, تلك التي تخلّدت بتمثال عملاق اين منه حتّي الكاس الذي خسرته فرنسا جرّاء طرد قائدها. اعتزل زيدان بعدها مباشره, فكان ماتيرازي هو اخر راسيه سجّلها في مشواره الحافل بالاهداف. والمغرب? ما محلّ المغرب من الاعجاب? في مونديال قطر, كان المغرب هو الايقونه حقًّا, جملهً بما قدّم المنتخب من اداء عالمي حتي خروجه مظلومًا من نصف النهائي, وتفصيلًا بما رافق ذلك من اشاعه لثقافه وتقاليد البلد وتاطير صورته لدي العالم, وكذا بالاحتفالات المُزلزله التي كانت تعقب كلّ انتصار فتجد لها ارتدادات في اقاصي المعمور. وفي تلك الاقاصي بلاد يقال له اندونيسيا, انتجت قمصانًا تخلّد الرقصه الشهيره لبوفال ووالدته تحمل العباره التاليه: نحن لسنا عظماء, لكن دعوات امّهاتنا قويه. فهل من ايقونه ابلغ من هذه? (الالقاب) لمّا كانت اللّعبه تمارَس في ارض الله الواسعه, ولها دوريات في جلّ الخرائط ومنافسات في كلّ القارات, ولها حضورٌ وازن في الالعاب الاولمبيه وسُدّهٌ عاليه في كاس العالم, فانّ مجتمعها يعجّ بالالقاب من كلّ بريق. فالكؤوس والميداليات والاحذيه والقفّازات الذهب, وسوي ذلك من ايقونات التتويج ورموز التكريم, لَتَجِلُّ عن الحصر. وحتي لو استعنّا بالمواقع الالكترونيه ذات الاختصاص, فلن نظفر بغير ارقام تلْوَ بعضها, وعندي انّ ما مِن متعه تُرجي من ذلك. لهذا, فالالقاب التي تستحقّ فعلًا ان تكون موضوع بحث ودراسه, فينبري لها ال البلاغه واهل العلامه, هي تلك التي تُخلع علي اللّاعبين والمدربين فتبتدع لاجلهم بكثير من الموهبه او تلصق بهم بكلّ فجاجه. يعتبر المصريون, علي نطاق واسع, اكثر الشعوب استخدامًا للالقاب, فيشترك الالاف في هذا والالوف في ذاك امّا اذا غرّد الواحد منهم خارج السرب, فانّهم يكافئون فَرادته بلقب فريد, فاذا هو العندليب الاسمر, واذا هي كوكب الشرق ولانّ كره القدم ليست, قطعًا, ممّا يشذّ عن قاعده الشعب واعرافه, فقد حَذَوْا حَذْوَ انفسهم في امرها, هم الذين تعاطاها اجدادهم قبل الاف السنين, فابدعوا القابًا مُعبّره كالماجيكو والمعلّم والجوكر والمايسترو والسدّ العالي وكهربا والبلدوزر وبازوڭا مثلما سلكوا المسلك السهل في اخري, اذ الصقوا باسماء لاعبيهم اسماء غيرهم من نجوم العالم, فاذا بينهم ميسي ونيمار وتريزيغيه ودونغا ونيدفيد وبيكهام وزيكو وزولا ولعلّ التعالي النفسي عن بني الجلده الافريقيه هنا اوضح من ان يوما اليه, اذ لا ذكر لدروجبا او كالوشا, لايطو او اوكوشا, او حتي لجورج ويا بكرته الذهبيه وقصره الرئاسي. فلربّما كانت الانفه عند اشقائنا المصريين هي اخت الانف, انف ابي الهول شخصيًّا. علي كثره الالقاب واختلاف مصادرها, يظهر القيصر كابرزها علي الاطلاق, اذ لا كسري في الملاعب حتي الان, فلا يذكر, لعظمته, الّا مع انحناءه طفيفه للتاريخ. قيصر كره القدم, واسمه الحركي فرانز بيكنباور, فاز بالكره الذهبيه مرتين, وهو ما لم يتحقّق لمدافع غيره, كما حمل كاس العالم لاعبًا ومدرّبًا, وهو ما قد لا يتحقّق لغيره من الالمان في المستقبل المنظور, فاقتسم بذلك المجد مع البلد: ما للالمان للالمان وما لقيصر لقيصر. خلال مونديال 2006, كان بيكنباور وميركل يتفرّجان من المنصّه الشرفيه, ومع كلّ هدف الماني ينتصبان بدافع قويّ من الفرح ويتعانقان احتفالًا امام كاميرات العالم, فيبدوان كقيصر وكليوباترا معاصرين, لولا انّهما لم ينجبا ايّ قيصرون لامبراطوريه كره القدم, فالتاريخ, لحكمه ما, لا يعيد نفسه بالنقطه والفاصله. الالمان الذين اشتقّوا من عظمه التاريخ لقبًا لعظيم ملاعبهم, هم ايضًا شعب طاعن في التكنولوجيا. لذلك, لمّا رَاَوْا ما راوْا من فيليب لام وهو يلعب في مختلف المراكز بنفس الكفاءه, اطلقوا عليه اسم اللّاسلكي. وقد لا ننتظر طويلًا قبل ان ينزل الي ملاعب كره القدم كلّ من الرادار والكود والساتل والبلوتوث والدرون والسيرڤر علي انّ المفارقه في خلع الالقاب تكمن في انّ اللّاسلكي مثلًا اصغر من القيصر باكثر من الفيْ سنه, فيما لام اصغر من بيكنباور باربعين فقط. لا تحتاج الالقاب غالبًا, في كره القدم كما في غيرها, الي موهبه فذّه او خيال شاسع. فبتحوير طفيف للاسم تحوّل زلاتان الي السلطان. وبتركيز علي حجم اللّاعبين ظهرت القاب مثل النمله وحبه البازلّاء وهالك والغزال والبلدوزر والبرغوث والدبّابه والمعكرونه وبتقدير للمهاره والرؤيه والدقّه كان الساحر والرسام والمهندس والمايسترو والفيلسوف وبتوصيف ناجح لاسلوب اللّعب كان العنكبوت والجدار وقاطع الطريق ولقد ساعد علي انتشار الالقاب انّ مجتمع كره القدم, من جمهور ومدربين ومعلّقين وصحافيين ومحلّلين, امست له اغورا معاصره من القنوات, يجري من خلالها تصريف كلّ شيء عن اللعبه لمعظم العالم بسرعه وكفاءه غير مسبوقتين. للمدرّبين ايضًا نصيبهم من الالقاب, الّا انّ واجب التوقير يقتضي الّا يكون بينها واحد سوقيّ كما هو الحال مع بعض اللّاعبين. ولنا فقط ان نقف عند هذه الامثله لنري بوضوح ايّ وضع اعتباري يحظي به بعضهم: السير فيرغسون, البروفيسور فينغر, السبيشل وان مورينيو, الفيلسوف غوارديولا, الدون كارلو. ثمّ لا بدّ من المغرب مهما طال الكلام. في اربعينيات القرن الماضي, وافريقيا من دون شان كرويّ يذكر, كان اللّاعبون المغاربه يرصّعون مجد اوروبا من خلال كبريات الانديه الفرنسيه والاسبانيه, فينالون عن صنيعهم الفذّ ارفع الالقاب واسمي عبارات التقدير. فالعربي بنمبارك كان درّه التّاج في مملكه اللعبه, فاستحق لقب الجوهره السوداء الذي سعي به سنوات قبل ظهور بيليه في الملاعب. وعند انتقاله من ستاد دو فرانس الي اتليتيكو مدريد سنه 1948 في صفقه قياسيه, سكّتِ الصحافه الفرنسيه لاجله هذه العباره بيعوا برج ايفل او قوس النصر, لكن لا تبيعوا العربي بنمبارك. وهي العباره التي لها قيمه معروفه في بنك الخلود حصريًّا. لقد استحقّ العربي بنمبارك اللّقب عن جداره بشهاده وريثه, فحين التقاه بيليه قال له, اذا كنت انا هو ملك اللعبه فانت الهُها, واذا جاز لنا ان نستعير النصّ الغائب من النظريه النقديه, فالعربي بنمبارك هو الشخص الغائب لبيليه, مثلما استحقّ لاعبنا الفذّ تلك العباره الخالده, اذ في اوّل موسمين مع اتليتيكو مدريد حقّق له كاسًا ولقبين للدوري في وجود العملاقين, الريال والبارسا, وهو مالم يتكرّر للفريق مرّه اخري. ومع ذلك, لا نعدم, في هذه القناه او ذاك الموقع, من مدن الملح او حقول الجراد, من يتساءل عن اعظم لاعب عربي او افريقي. والادهي من ذلك انّ مثل هذه الاسئله لا تزال تُقترف حتي بعد بروز حكيمي ومن في حكمه, حكيمي الفائز بعصبه الابطال ثلاث مرات, والحامل من الالقاب ما انّ كؤوسها وميدالياتها وجوائزها لتنوء بالعصبه يُحسَب للعربي بنمبارك ان نبّه الاوروبيين الي سواه من الجواهر المغربيه, فالتحق به, علي فترات, كلّ من بطّاش والخلفي وطاطوم, والخميري الذي لقّبوه بالمدفع لقوه تسديداته, وبلمحجوب الذي لعب حتي للمنتخب الفرنسي وكان ملقّبًا بامير حديقه الامراء, والانيق عبد الله الزهر الذي كان الفرنسيون يغبطونه علي اسلوبه الرفيع في اللباس, وحسن اقصبي كبير هدافي افريقيا في الدوري الفرنسي حتي الان والي اشعار اخر حين كان هؤلاء وغيرهم من المواهب المغربيه يبلّلون قمصانهم في الملاعب الاوروبيه, تجمعهم الاقدار الكرويه ببوشكاش وبيليه ودي ستيفانو وكوبّا وفونتين وسواهم من العلامات الفارقه في تاريخ اللعبه, ويحقّقون الالقاب والكؤوس والميداليات حين كانوا يفعلون كلّ ذلك, كانت افريقيا لا تزال في طور الاحماء. فبعد ذلك بسنوات, سيصير لها اتّحاد باسمها, وتنظّم فيها اوّل دوره لكاس الامم الافريقيه, بثلاثه منتخبات فقط هي مصر والسودان واثيوبيا, وهي, يا للمصادفه, نفس الامم التي تنافست علي الكاس في دورتها الثانيه, فاذا المجد القارّيّ انذاك يحتاج الي انتصارين علي الاكثر, تمامًا كما يحدث في لعبه ثلاثيه اخري معروفه باسم: حجر ورق مقص. شهد المغرب علي عهد الحمايه الفرنسيه بطوله رسميه اولي تحت مسمّي عصبه المغرب, كان لها نجومها والقابها طبعًا. ومع بدايه الاستقلال تاسّست الجامعه المغربيه لكره القدم التي امست المنافسات الوطنيه تحت اشرافها. ومن يومها والمغرب, انديهً ومنتخباتٍ, له نصيب من المجد حيثما نافس, وللاعبيه البريق حيثما ابْلَوْا. لجهه القاب البلد, حقّق المغرب في السنوات الاخيره فقط ما لم تحقّقه افريقيا في كلّ تاريخها الكروي. امّا لجهه القاب اللّاعبين, فمن مول الكره الي حبّه المشمش, مرورًا بشوارع المراوغه والاسطوره والمايسترو وقفاز المغرب الذهبي والجلّاد الحريري وصخره الدفاعْ ابدع المغاربه ايّما ابداعْ. واذا كان لاحد مِن اهل البلاغه او مَن في حكمه ان ينبري لهذه الالقاب بالدرس والتحليل, فلا نملك الّا ان نحفّزه بواحد يستحقّ فصلًا وافيًا في اطروحته, انّه عبد العزيز قمر الزمان, الملقّب بعزّوز القبر. عبد العزيز قمر الزمان, يا لَجمال الاسم, كان مدافعًا في صفوف الكوكب المراكشي خلال سبعينيات القرن الماضي, ولنجاعته القاتله, اطلق عليه المراكشيون لقب عزّوز القبر. الانتقال بعبد العزيز الي عزّوز, لحسن الحظ, احتفظ للفتي ببعض ملامحه, فلو كان اسمه عبد الله مثلًا لحوّلوه الي لَعْبيلْ, ولاحتاج الامر الي فحص الحمض اللغوي للتاكّد من انّ هذا هو ذاك فعلًا. امّا قمر الزمان, فقد نزلوا به من علياء نوره السرمدي الي ظلمه القبر الابديه, مع انّ الفتي ابن حيّ القصور وليس حيّ القبور, قبور الشهداء. فلله درّهم, لله درّ اهل مراكش, فهم لم يروْا فيه حفّار قبور فقط, بل راوْا فيه القبر شخصيًّا, القبر الذي يتّسع لمهاجمي الخصوم قاطبه, ولانّه كذلك, فهو اذن بمساحه ملعب. لذلك, اقترحُ علي اولياء امر اللّعبه بالمدينه, ان يستقبل الكوكب المراكشي خصومه في ملعب يحمل اسم عزّوز القبر. فبهذا الاسم المرعب, ستخطر الاكفان لقمصان اعتي المهاجمين.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: هسبريس
شارك: