تشهد المقاربه الامنيه المغربيه في مواجهه الظاهره الارهابيه تحولاً نوعياً يواكب تبدل الاستراتيجيات التنظيميه للجماعات المتطرفه عابره الحدود; ففي الوقت الذي تتراجع فيه البنيه الصلبه والمراكز الجغرافيه التقليديه للتنظيمات الارهابيه في بؤر التوتر, تبرز الي الواجهه تحديات امنيه من جيل جديد ترتكز علي ما يُعرف بالجهاد الفردي والذئاب المنفرده, وهو ما اكدته النجاحات الاستباقيه الاخيره للمصالح الامنيه. وتجلي هذا التميز الميداني في تمكن المكتب المركزي للابحاث القضائيه, في الساعات الماضيه, من شل حركه عنصر متطرف يبلغ من العمر 31 سنه بمدينه المضيق, كان بصدد التحضير لتنفيذ مخطط اسعافي وتخريبي يستهدف النظام العام وسلامه المواطنين, عبر محاوله اكتساب خبرات دقيقه في صناعه المتفجرات الرقميه والميدانيه. وياتي هذا الورش الامني المستمر في سياق اقليمي ودولي شديد التعقيد; حيث ساهم انتقال ثقل الجماعات المتطرفه الي مناطق الهشاشه السياسيه والامنيه, لاسيما في منطقه الساحل وجنوب الصحراء, في اعاده ترتيب صفوفها والاعتماد علي الخلايا النائمه والتحركات الانفراديه هرباً من الرقابه اللصيقه. هذه البيئه الزئبقيه فرضت علي المملكه المغربيه, بحكم موقعها الجيواستراتيجي الحساس ونموذجها السياسي المستقر, رفع وتيره اليقظه وتحيين العقيده الاستخباراتيه, وهو ما مكن من احباط مخططات جنينيه متعدده, علي غرار تفكيك خليه تضم سته عناصر مطلع ابريل الماضي عبر عمليات متزامنه شملت القنيطره, الدار البيضاء, دار الكداري بسيدي قاسم, وسيدي الطيبي, قبل انتقالها الي مرحله التنفيذ المادي. ان قراءه المسارات الحاليه للظاهره التخريبيه تكشف ان لجوء المتطرفين الي صيغه الافراد المنعزلين او الخلايا الاسريه الضيقه والموزعه بين الحواضر والمراكز شبه الحضريه, يعد نتاجاً مباشراً للضغط الميداني الخانق وتجفيف منابع الدعم اللوجستيكي من طرف الاجهزه الامنيه المغربيه. هذا الحصار المفروض دفع المنتمين الي هذه الايديولوجيات الي الانكفاء حول مشاريع ذاتيه الصنع ومخططات احاديه ومحدوده; وهي تحركات بالرغم من سريتها الشديده, تظل مكشوفه ومقروءه لدي مصالح رصد الجريمه الارهابيه بفعل عجز الخطاب المتطرف عن تطوير ادواته ومحتوياته الرقميه, مما يسهل عمليه تعقبه سيبرانياً وميدانياً في الفضاءات المفتوحه والمغلقه علي حد سواء. وتُعزي هذه الفعاليه الموصوفه دولياً الي التحديث الشامل الذي خضعت له المنظومه الامنيه الوطنيه, والتي زاوجت بدقه بين الاستثمار الفعال في تاهيل العنصر البشري وتدريبه علي اعلي المستويات, وبين دمج التقنيات التكنولوجيه المعاصره والاليات السيبرانيه القادره علي تتبع البصمات الرقميه ورصد خطابات الاستقطاب في البيئات الافتراضيه. هذا التوازن اللوجستيكي والعملي حوّل المملكه من مصدّ خط دفاعي داخلي لحمايه الامن القومي, الي شريك استراتيجي محوري ولا غني عنه في المنظومه الامنيه الاقليميه والدوليه, مما اسهم في احباط مشاريع تخريبيه عابره للقارات في العمق الاوروبي والامريكي والافريقي عبر التبادل اللحظي للمعلومات الاستخباراتيه الدقيقه. وفي المحصله, لا تتوقف نجاعه الرؤيه المغربيه عند حدود المعالجه الزجريه والامنيه الصرفه, بل تتكامل ضمن استراتيجيه خماسيه الابعاد تشمل التنميه الاجتماعيه لمحاربه الهشاشه والاقصاء, واعاده هيكله الحقل الديني لنشر قيم الوسطيه والاعتدال, فضلاً عن برامج المراجعات الفكريه داخل المؤسسات السجنيه. هذا النموذج المتكامل, الذي اضحي محط اشادات دوليه واسعه, يواجه اليوم محاولات استهداف متكرره من التنظيمات المركزيه الساعيه لضرب استقرار وموثوقيه النموذج المغربي, مما يفرض استدامه التنسيق رفيع المستوي مع الشركاء الاقليميين, ويوضح العقيده الامنيه للمملكه القائمه علي ان دحر الارهاب لا يمكن ان يتحقق الا عبر المسؤوليه الجماعيه والتحرك المشترك عابر الحدود.
حصون اليقظة: كيف تطوق الاستراتيجية السيبرانية للمغرب “زئبقية” الإرهاب الفردي؟
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: فاس 24