بين المفهوم اللغوي والقانوني للمنافسة تحدد اختصاص مجلسها

بين المفهوم اللغوي والقانوني للمنافسة تحدد اختصاص مجلسها

اثار تدخل مجلس المنافسه في النقاش الدائر حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنه المحاماه الكثير من التساؤلات القانونيه والمؤسساتيه, خاصه بعد مراسلته لرئيس الحكومه ودعوته الي التريث في المصادقه علي المشروع الي حين دراسه بعض شروط الولوج الي المهنه, وعلي راسها شرط السن. ولان النقاش العمومي يحتاج دائما الي الوضوح, فان السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدي وجاهه شرط السن من عدمه, ولا بمدي احقيه فئه معينه في الولوج الي مهنه المحاماه, وانما يتعلق قبل ذلك بسؤال اكثر جوهريه: هل يملك مجلس المنافسه اصلا الاختصاص القانوني الذي يسمح له بالتدخل في شروط الولوج الي مهنه المحاماه? في تقديري, الجواب هو لا. لماذا? ذلك ان الدوله الحديثه لا تقوم فقط علي مبدا المشروعيه, وانما تقوم ايضا علي مبدا توزيع الاختصاصات بين المؤسسات. فلكل مؤسسه مجالها وحدود تدخلها, واي تجاوز لهذه الحدود, مهما حسنت النوايا, يظل خروجا عن المنطق الدستوري الذي يقوم عليه التنظيم المؤسساتي. اولا: اختصاص مجلس المنافسه وحدوده القانونيه لقد احدث مجلس المنافسه بموجب الفصل 166 من الدستور باعتباره هيئه مستقله مكلفه بضمان الشفافيه والانصاف في العلاقات الاقتصاديه. كما ان القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسه والقانون رقم 104.12 المتعلق بحريه الاسعار والمنافسه يحددان بوضوح مجال تدخله في الاسواق والانشطه الاقتصاديه والممارسات المنافيه لقواعد المنافسه الحره. غير ان هذا الاختصاص يظل مرتبطا بطبيعته بمجال السوق والسلع والخدمات والانشطه الاقتصاديه ذات الصبغه التجاريه او الانتاجيه, اي بالمجالات التي تخضع لمنطق المنافسه الاقتصاديه والعرض والطلب. وهنا ينبغي التمييز بين معادلتين بسيطتين كثيرا ما يقع الخلط بينهما: المعادله الاولي: وجود منافسه بين اشخاص او جهات لا يعني بالضروره وجود اختصاص لمجلس المنافسه. والمعادله الثانيه: اختصاص مجلس المنافسه لا يقوم لمجرد وجود كلمه “منافسه”, وانما يقوم عندما تكون المنافسه اقتصاديه وتجاريه داخل سوق للسلع او الخدمات. فلو اخذنا المعني اللغوي الواسع لكلمه المنافسه, لاصبح مجلس المنافسه مختصا بكل اشكال التباري الموجوده في المجتمع. فهل سيتدخل في المنافسه علي منصب اداري? وهل سيتدخل في مباريات التوظيف? وهل سيتدخل في التنافس بين الطلبه علي مقاعد المدارس والمعاهد? وهل سيتدخل غدا في منافسه الفرق الكرويه علي لقب البطوله الوطنيه فقط لانها هي الاخري “منافسه”? الجواب طبعا هو لا. والسبب بسيط: لان مجلس المنافسه لا يؤطر كل اشكال التنافس الموجوده في المجتمع, وانما يؤطر المنافسه الاقتصاديه بين فاعلين اقتصاديين داخل السوق بهدف حمايه المستهلك وضمان حريه المبادره الاقتصاديه ومنع الاحتكار والممارسات المنافيه لقواعد المنافسه. غير ان المحاماه ليست سوقا بالمعني الذي قصده المشرع عند احداث مجلس المنافسه. فالمحاماه, وفق الماده الاولي من القانون المنظم للمهنه, مهنه حره مستقله تساهم في تحقيق العداله وتساعد القضاء في اداء رسالته. وهذا التعريف ليس مجرد وصف انشائي, بل هو تحديد لطبيعه المهنه وموقعها داخل البناء الدستوري للدوله. فالمحامي لا يبيع سلعه, ولا يروج منتجا, ولا يمارس نشاطا تجاريا عاديا يخضع لمنطق العرض والطلب. انه يساهم في حمايه الحقوق والحريات, ويؤدي وظيفه ترتبط ارتباطا مباشرا بضمان المحاكمه العادله وبحق الدفاع الذي يعد من الحقوق الدستوريه الاساسيه. ولهذا فان اخضاع شروط الولوج الي المحاماه لمنطق المنافسه الاقتصاديه يطرح اشكالا جوهريا يتعلق بحدود الاختصاص. فمجلس المنافسه انشئ لضبط العلاقات الاقتصاديه داخل السوق, لا للتدخل في تنظيم المهن المرتبطه بسير العداله وضمان الحقوق والحريات. ثانيا: المحاماه خارج منطق السوق والتجاره لهذا السبب بالذات لم يجعل المشرع شروط الولوج الي المحاماه خاضعه لمنطق السوق, وانما ربطها باعتبارات الكفاءه والتاهيل والمسؤوليه المهنيه. فالشهاده الجامعيه, والتكوين, والتمرين, واداء القسم, وحتي الشروط المتعلقه بالسن او بالمؤهلات العلميه, ليست اليات لاقصاء المنافسين كما هو الحال في الاسواق الاقتصاديه, وانما ادوات يضعها المشرع لضمان الحد الادني من الكفاءه المطلوبه فيمن سيتولي الدفاع عن حقوق المواطنين ومصالحهم. ويزداد هذا المعطي وضوحا اذا استحضرنا ان المشرع نفسه يمنع علي المحامي ممارسه اي نشاط ذي صبغه تجاريه, كما يمنعه من القيام باعمال تتنافي مع استقلال المهنه ورسالتها. وهذه المقتضيات الوارده في القانون المنظم لمهنه المحاماه ليست تفصيلا عرضيا, بل تعكس اراده تشريعيه واضحه في ابعاد المحاماه عن منطق التجاره والسوق. فاذا كان المحامي ممنوعا قانونا من ممارسه التجاره, وكانت المهنه في جوهرها تؤدي وظيفه مرتبطه بتحقيق العداله وحمايه الحقوق, فان اعتبارها مجالا خاضعا لقواعد المنافسه الاقتصاديه يصبح امرا محل نظر من الناحيه القانونيه والمؤسساتيه. ولو اخذنا بمنطق تحويل كل شرط للولوج الي مهنه منظمه الي قضيه منافسه, لوجدنا انفسنا امام نتيجه عبثيه. فهل يصبح شرط التخصص الطبي قيدا علي المنافسه? وهل تتحول شروط الولوج الي مهنه التوثيق او القضاء او الخبره القضائيه الي ممارسات احتكاريه? وهل يصبح كل تنظيم مهني مخالفا لقواعد السوق لمجرد انه يضع شروطا للولوج اليه? ان الخلط بين تنظيم المهن الحره المنظمه وبين تنظيم الاسواق الاقتصاديه يؤدي الي افراغ مفهوم الاختصاص من محتواه, ويفتح الباب امام تداخل غير محمود بين المؤسسات. ولا يعني ذلك اطلاقا ان شروط الولوج الي المحاماه فوق النقاش او النقد. بالعكس, من حق المجتمع ان يناقش هذه الشروط, ومن حق البرلمان ان يراجعها, ومن حق المحكمه الدستوريه ان تراقب مدي مطابقتها للدستور عند الاقتضاء. لكن هذا النقاش يجب ان يجري داخل المؤسسات التي خول لها القانون والدستور هذه الصلاحيه, لا خارجها. ان قوه المؤسسات لا تقاس فقط بحجم تدخلها, بل ايضا بقدرتها علي احترام حدود اختصاصها. ولهذا فان القضيه المطروحه اليوم ليست قضيه سن او مباراه او مسلك للولوج الي المحاماه, بل قضيه احترام التوازن المؤسساتي الذي اختاره الدستور. فمجلس المنافسه يؤدي دورا محوريا في حمايه الاقتصاد الوطني والاسواق من الممارسات المخله بالمنافسه. غير ان حمايه المنافسه شيء, وتنظيم شروط الولوج الي مهنه تساهم في تحقيق العداله شيء اخر تماما. المحاماه ليست امتيازا يمنح, وليست سلعه تباع, وليست سوقا تخضع لمنطق الارقام وحدها. انها احدي الضمانات الاساسيه لدوله الحق والقانون. ولهذا السبب تحديدا, يجب ان يبقي النقاش حول تنظيمها داخل المجال الذي رسمه لها الدستور والقانون, لا خارجه. محام بهيئه الدار البيضاءباحث في القانون

اقرأ المقال كاملاً المصدر: مدار 21
شارك: