لم تعد المساله تتعلق فقط بضرب نموذج وحده الساحات, بل بما تلا ذلك من انتقال مدروس نحو استهداف مركز هذا النموذج: ايران نفسها. فعمليه تقطيع الساحات, التي امتدت علي مدار السنتين والنصف الماضيتين, لم تكن مجرد تفكيك عسكري للجبهات المرتبطه بطهران, بل مسارًا انتهي الي فرض مواجهه داخل العمق الايراني, ونقل الاشتباك من الاطراف الي المركز, بما حمل دلاله واضحه علي ان الهدف تجاوز اداره الصراع الي اعاده تشكيل معادلاته. ايران, التي بنت جزءًا اساسيًا من قوتها علي توظيف الجغرافيا المحاذيه لاسرائيل, وعلي اداره نفوذها عبر العراق واليمن ولبنان, وجدت نفسها امام واقع مختلف. فمنذ مقتل ابراهيم رئيسي, بدا ان مسار الضغط يتصاعد تدريجيًا, من الاغتيالات والتصفيات, الي ضرب الحلفاء والوكلاء, وصولًا الي حرب الاربعين يومًا, التي تجاوزت استهداف القدرات العسكريه لتطال رمزيه النظام, ومفاصل بنيته الامنيه والدفاعيه, والبنيه التحتيه, بما اوحي ان الهدف لم يعد الاحتواء فقط, بل اعاده تشكيل موقع ايران نفسه داخل الاقليم, وتقليص قدرتها علي استخدام ادوات الردع التي بنت عليها استراتيجيتها لعقود. في هذا السياق, لم تكن المفاوضات منفصله عن معادله الضغط. فتهديد الرئيس ترامب باعاده ايران الي العصر الحجري, ثم الحصار البحري علي موانئها, والتهديد بمعاقبه البنوك المتعامله معها, بما فيها الصينيه, كلها ادوات بدت جزءًا من فرض شروط جديده علي طهران. وحتي ان لم تتبلور صوره نصر حاسم, فان المؤشرات تشير الي ان التغيير يجري فرضه تدريجيًا, سواء في الملف النووي, او مضيق هرمز, او سياسات الوكلاء, او القدرات الصاروخيه, بما يعكس انتقال الضغط من الردع الي اعاده صياغه السلوك الايراني, وليس فقط احتواءه. لكن التحول الاهم لم يكن في ايران وحدها, بل في ما رافق ذلك من اعاده هندسه العلاقه بين الجبهات. وهنا تظهر دلاله الفصل الاميركي المتعمد بين ايران ولبنان. فاصرار واشنطن علي عدم ربط التهدئه مع ايران بوقف اطلاق النار في لبنان, لم يكن تفصيلًا, بل تعبيرًا عن استراتيجيه تقوم علي فصل الجبهات سياسيًا بعد تقطيعها عسكريًا, بما يمنع اعاده انتاج الترابط الذي شكل جوهر استراتيجيه ايران الاقليميه. لبنان هنا يبدو النموذج الاوضح. فالاصرار الاميركي علي تمرير وقف اطلاق النار عبر الدوله اللبنانيه, وربطه بمسار سياسي يتجاوز منطق الاشتباك, يعكس اتجاهًا للتعامل مع نفوذ ايران عبر الدوله اللبنانيه, لا عبر طهران. وهذه ليست مجرد اداره ازمه, بل بدايه عزل سياسي لايران عن احدي اهم ساحات نفوذها, وربما النموذج القابل للتكرار في ساحات اخري, والذي طُبق بصيغه مشابهه في غزه عبر فكره مرجعيه مجلس السلام. المساله, بهذا المعني, لم تعد احتواءً عسكريًا لايران, بل تجريدًا تدريجيًا لاوراق نفوذها الاقليمي. وهذا ما يفسر الربط بين هذا المسار, وبين اعاده تفعيل ملف السلام الاقليمي. فما يجري لا يبدو منفصلًا عن رؤيه اميركيه اوسع لاعاده ترتيب الاقليم, تبدا بعزل ايران, ولا تنتهي عند الدفع بملفات التسويه, بما فيها احتمال تحريك المسار اللبناني الاسرائيلي. اما داخل ايران, فقد تكون المرحله الاصعب لم تبدا بعد. لان ما بعد الحرب لا يبدو اقل خطوره من الحرب نفسها. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهه الضغوط الخارجيه, بل في اداره واقع داخلي يزداد هشاشه, في ظل اختراقات امنيه, وضغوط اقتصاديه, واحتمالات تحولات داخليه قد تجعل التهديد الحقيقي امام النظام ليس ما فرضته الحرب, بل ما قد تفرضه نتائجها. لهذا, ما يجري يتجاوز فكره احتواء ايران, الي محاوله اعاده تعريف دورها, وعزلها سياسيًا عن الاقليم, تمهيدًا لاعاده هندسه توازناته من جديد. وهذا, ربما, هو جوهر المرحله, بل بدايه انتقال استراتيجي قد يعيد رسم شكل الاقليم كله: من الاحتواء العسكري الي العزل السياسي.
ما بعد وحدة الساحات مشروع عزل إيران “تحليل”
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: انباء اكسبريس