الحلقه 1: تفتح جريده هسبريس الالكترونيه هذه السلسله النقديه الممتده عبر اربع حلقات متتاليه, والتي تسعي من خلالها الي الاقتراب من سينما رومان بولانسكي, وتفكيك ملامح هذا الكون المازوم, من المدينه كمتاهه نفسيه الي الجسد كساحه للهيمنه, ومن الشك كاليه ادراك الي الانهيار كمسار بطيء للوجود, اذ انها قراءه تستنطق الصور وتعيد مساءله الخوف بوصفه بنيه خفيه لا حدثًا عابرًا في سينما تجعل الانسان غريبًا حتي عن نفسه, وفي سينما رومان بولانسكي يتكشف العالم كنسيج من القلق المتراكم, حيث لا تنفصل الحكايه عن الاحساس العميق بالاختناق, كما لا تتحرك الشخصيات داخل فضاء محايد, بل داخل منظومه تضغط عليها نفسيًا ووجوديًا, وذلك باعتقاد راسخ لدي المخرج ان السينما يجب ان تجعلنا نشعر بعدم الامان فما الذي يدفع المخرج الي اعاده صياغه الرعب كصوره للوجود, وكيف تتحول العزله الي مسرح لانهيار الذات, واي علاقه تربط بين الغرفه المغلقه والمجتمع المفتوح, وفي كل مشاهده لافلام رومان بولانسكي ينهض السؤال بحده: هل السينما مراه تعكس هشاشتنا ام مختبر يختبر حدود الجنون والشر, ففي فيلم الطفل روزماري (1968) تقول روزماري في لحظه رعب وجودي: «هذا ليس مجرد خوف, هذا شيء ينهشني من الداخل», وتفتح هذه الجمله الباب امام مسار طويل من الاسئله التي تحكم سينما بولانسكي وتجعلها تجربه بصريه ونفسيه لا يمكن تجاوزها السينما كفعل للبقاء تشكل سينما رومان بولانسكي (من 18 غشت 1933), الحامل للجنسيه البولنديه والفرنسيه, احد اهم التيارات التي جمعت بين الرعب النفسي والدراما الوجوديه, حيث تُبني الحكايات علي شخصيات محاصره بالقلق والجنون وبقوي غامضه تتجاوزها, كما تنتمي هذه السينما الي حقل مركب يجمع بين الواقعيه القاسيه والتعبيريه السوداء, لتضع المشاهد امام مراه تعكس الجانب المظلم من ذاته, وتظهر الاشكاليات الكبري عبر اسئله العزله والهويه والعنف والشر, حيث يتكرر المكان المغلق كفضاء يختبر حدود النفس البشريه ويعري هشاشتها وتدفع قصص بولانسكي المتفرج الي مواجهه الخوف كحقيقه داخليه قبل ان يكون حدثًا خارجيًا, ففي فيلم Repulsion / الاشمئزاز (1965) تُصوَّر بطله الفيلم في حاله انهيار تدريجي, اذ ترفض العالم وتنهار داخل شقتها, لتتحول الجدران الي شقوق مرعبه, بينما تصبح الاصوات البسيطه تهديدًا حقيقيًا, ويتجلي هنا البعد البصري حيث يتحول المكان الي بطل اضافي يعكس الحاله النفسيه ويضاعف من حده القلق, كما يتكثف السرد عبر الاقتصاد في الحوار, فيتحول الصمت والفراغات الي لغه بديله عن الكلام تجعل المتلقي في قلب التجربه وتتوسع هذه السينما لتكشف عن ابعاد فلسفيه وثقافيه تتصل بتاريخ بولانسكي الشخصي, اذ عايش الحرب والمنفي والملاحقه, وكلها انعكست في اعماله كخلفيه وجوديه للقلق, وتشتغل افلامه علي تفكيك فكره الامان وتعريه المؤسسات, سواء كانت الاسره او المجتمع او الدوله, ففي فيلم The Pianist / عازف البيانو (2002) نسمع البطل وهو يقول: «كنت اريد ان اعيش, حتي لو كان العيش يعني الاختباء», ولا تعبر هذه الجمله عن النجاه الفرديه فقط, بل تختزل فلسفه كامله تري في السينما فعلًا للبقاء ووسيله لمساءله التاريخ والذاكره السينما: لعبه المرايا المتداخله تتحول الهويه السرديه في سينما بولانسكي الي لعبه مرايا متداخله, حيث يظهر البطل مشوشًا ممزقًا بين واقعه وهلاوسه, كما تتشكل الخطابيه عبر الغموض وبناء مواقف ملتبسه تجعل الحقيقه دائمًا معلقه, اما الهويه البصريه فتقوم علي معماريه المكان الضاغط, وعلي لقطات طويله تضغط الاحساس بالحصار, وعلي اضاءه حاده تجعل من الظل شخصيه اضافيه ويطرح بولانسكي قضايا تتعلق بالشر بوصفه قوه متغلغله في الانسان لا مجرد تهديد خارجي, ففي فيلم Chinatown / الحي الصيني (1974) يقول البطل جاك غيتيس: «انت لا تعرف نصف ما يجري», وهذه العباره تختصر رؤيه سوداويه عن عالم تحكمه المصالح, حيث يتواري العدل وتبقي الحقيقه محجوبه خلف ستار من التواطؤ والفساد, ويتحول السرد هنا الي خطاب سياسي واجتماعي يفضح الوجه المظلم للحداثه الامريكيه, رابطًا بين الجريمه الفرديه والانهيار البنيوي للمؤسسات وتؤطر الخلفيات الفلسفيه هذه السينما عبر ارث الوجوديه والعبثيه, حيث لا تقدم الافلام حلولًا بقدر ما تدفع الي مواجهه الاسئله, وينغمس المشاهد في الحكايه لا ليجد الخلاص بل ليكتشف هشاشه الكائن امام المجهول, كما يتكرر حضور المراه كصوت يواجه العنف وكذات تحاول النجاه في عالم يلتهمها, بينما يظهر الرجل ممزقًا بين الرغبه في السيطره والعجز امام قوي اكبر منه وتمتد سينما بولانسكي عبر عقود مختلفه, لكنها حافظت علي سماتها: مكان مغلق يضغط علي الشخصيات, وخوف يتسرب من التفاصيل الصغيره, ونظره جماليه تجعل الرعب فعلًا بصريًا اكثر منه حدثًا دمويًا, ويتجلي البعد النفسي في تفكيك الهواجس الداخليه, كما يتجلي البعد الرمزي في تصوير الشر كظل يرافق الانسان دائمًا, اما البعد الجمالي فيرتكز علي لغه سينمائيه صارمه تجعل كل تفصيله محسوبه, من حركه الكاميرا الي اختيار الالوان وتخلق الروابط بين افلام بولانسكي مسارًا واحدًا: رحله في ظلام الانسان, ففي فيلم The Tenant / المستاجر (1976) يعيد اسئله الهويه والاغتراب عبر شخصيه تنهار تحت ضغط العزله والنبذ, بينما يقدم في فيلم Carnage / مجزره (2011) فضاء مغلقًا اخر تتحول فيه المجامله الاجتماعيه الي عنف لفظي يكشف ان القشره الحضاريه واهيه, وكل هذه الاعمال تؤكد ان بولانسكي يتعامل مع السينما كوسيله لسبر اغوار الانسان لا كترفيه سطحي وتظل سينما بولانسكي مشروعًا بصريًا وجماليًا يسائل معني الوجود في عالم هش, اذ يلتقط لحظه الرعب كحقيقه كونيه ويعيد رسمها كل مره من زاويه مختلفه, وفي لحظه من The Ghost Writer / كاتب الاشباح (2010) يقول البطل: «الحقيقه لا تختفي, انها تنتظر من يجرؤ علي كشفها», وتلخص هذه العباره جوهر هذه السينما التي تفضح الزيف وتعيد بناء المجهول كمساحه للتفكير, انها سينما تجعل من الظلام لغه ومن القلق فلسفه, وتبقي مفتوحه علي اسئله لا تهدا العالم كمتاهه للخوف والرغبه في قلب سينما رومان بولانسكي ينهض البطل ككائن مازوم تتنازعه قوي الداخل والخارج, وتدفعه الي مواجهه عوالم تبدو مائله دائمًا نحو التهديد والتشظي, ويبدا هذا البطل في مساره منذ اللحظه الاولي ككائن يجر خلفه جراحًا شخصيه واثقالًا جماعيه, فيصبح حاملًا لمراه عاكسه للانسان الحديث وهو يصارع هشاشته واغترابه, كما تتخذ رؤيته للاشياء طابعًا ضبابيًا, اذ يري العالم كمتاهه تتشابك فيها الخوف مع الرغبه, والوحده مع الحاجه الي الاخر, والعداله مع السقوط في براثن القوه القاهره, وتُبني تمثلاته لذاته في افلام بولانسكي كرحله دائمه للبحث عن موقع داخل عالم يرفض الاعتراف بانسانيته, فيتحول الي شاهد وضحيه ومتهم في ان واحد ويتجلي هذا البطل في فيلم طفل روزماري (1968), حيث تصبح روزماري مراه للخوف الانثوي من التواطؤ الاجتماعي مع الجسد ومن السيطره الذكوريه التي تختبئ خلف واجهات الحنان والطمانينه, وتقول روزماري في لحظه انكسارها: «هذا الطفل ليس ملكي, انه شيء غريب زرعوه داخلي», وتكشف الجمله عمق الرؤيه التي تحكم بولانسكي في رسم مصير ابطاله, فالامومه نفسها تتحول الي جحيم, والجسد الانثوي يغدو ساحه للغزو الرمزي الذي يعكس اشكال السيطره في المجتمع ويتخذ البطل في Chinatown / الحي الصيني (1974) صوره المحقق الخاص جيك غيتيس, الذي يظن انه يملك ادوات السيطره علي مساره, غير ان الاحداث تجره الي مواجهه فساد اقتصادي وسياسي يتجاوز كل قدراته, فتتحول العداله في عينيه الي وهم, ويعترف في النهايه بمراره العاجز: «انسَ الامر يا جيك, انه الحي الصيني», وتظل الجمله شاهدًا علي عجز البطل عن مواجهه منظومات اكبر منه, وهنا تتضح رؤيه بولانسكي التي تجعل البطل محاصرًا بين الرغبه في الدفاع عن قضيته وبين الوقوع في فخ القوه التي لا ترحم وينفتح البطل في فيلم عازف البيانو (2002) علي بُعد انساني اكثر ماساويه, حيث يصبح الموسيقي اليهودي فلاديسلاف شبيلمان رمزًا للانسان الذي يقاتل من اجل البقاء وسط اله الدمار النازيه, ويتحول العزف علي البيانو الي وسيله لمقاومه الفناء, ويقول شبيلمان وهو ينظر الي اصابعه الهزيله: «كل ما املكه هو موسيقاي, وكل ما تبقي لي هو الحياه», وتعكس هذه الجمله الابعاد الرمزيه التي يحيكها بولانسكي حول الفن كمساحه للصمود امام انهيار العالم, وحول البطل الذي ينجو لانه يملك لغه اخري غير لغه السلاح ثلاثيه تفكيك الاسره والاغتراب وسيطره المؤسسات يتاسس البعد الاجتماعي في سينما رومان بولانسكي علي تفكيك الاسره والاغتراب وسيطره الاطر المؤسساتيه علي الفرد, ففي فيلم مجزره (2011) تتكشف وحشيه العلاقات الانسانيه من خلال محادثه عابره بين زوجين, لتصبح الجدران الاربعه مكانًا لفضح عنف المجتمع البرجوازي المقنع بلباقه ظاهريه, ويتسابق الابطال في تبادل الكلمات كسكاكين, ويقول احدهم بحده: «نحن لسنا افضل من اطفالنا, نحن اكثر نفاقًا فقط», لتتحول الجمله الي تشريح للانهيار الاخلاقي الذي يختبئ خلف الاناقه والرتابه ويمتد البعد السياسي الي مساءله السلطه واشكال الفساد المتجذر في المجتمع, كما في كاتب الاشباح (2010), حيث يواجه الكاتب المجهول شبكه من الاكاذيب السياسيه, ويتحول النص المكتوب الي سلاح يفضح علاقات السلطه والمال, وتتراءي عبره رؤيه بولانسكي للعالم كنسيج تحكمه المؤامرات والخيانات, وتضع البطل دائمًا في مواجهه مع قوي قاهره تسعي الي محو صوته ويحضر البعد الاقتصادي في تصوير الفوارق الطبقيه التي تسحق الافراد وتدفعهم نحو الانهيار, ويتجلي ذلك في فيلم المستاجر (1976), حيث يصبح البطل تريلكوفسكي محاصرًا بين جدران عماره تجسد سلطه الملكيه والفضاء الاجتماعي الذي يسلبه هويته, ويقول بصوت مبحوح: «انا لست نفسي بعد الان, انا اصبح هي», في اشاره الي ذوبانه في صوره الساكنه السابقه للشقه, ويتحول المكان هنا الي كيان مفترس يمحو الفروق بين الافراد ويذيبهم في شبكه من الانصهار المَرَضي سينما الفضاءات الملبده بالظلال يمتد البعد النفسي في سينما رومان بولانسكي ليكشف عن الهواجس الداخليه التي تلتهم ابطال بولانسكي, اذ تتسلل المخاوف والوساوس والانهيارات العصبيه الي بنيه الحكايه لتجعلها فضاءً ملبدًا بالظلال, ففي فيلم Repulsion / الاشمئزاز (1965) تتفتت البطله كارول تحت ضغط وحدتها, وتغرق في متاهات عقلها المظلم, وتقول في لحظه هذيان: «الجدران تتحرك, كل شيء يضيق حولي», وهو تصريح يعكس انغلاق العالم علي الذات في لحظه انهيارها وتتجسد الابعاد الرمزيه عبر الصور البصريه التي تجعل المكان مراه للداخل الانساني, وتجعل الاشياء اليوميه محمله بايحاءات التهديد, ويغدو الباب المغلق, والنافذه المفتوحه, والمراه المشروخه رموزًا لانقسام الذات وارتباكها امام مصائرها, كما يبني بولانسكي سرديته علي التفاصيل الصغيره التي تتراكم لتصنع عالمًا خانقًا, وتؤكد ان الماساه تنبع من ابسط الاشياء وتُنبني الابعاد الجماليه في هذه السينما علي اقتصاد بصري حاد, يميل الي استخدام الاضاءه المنخفضه, والزوايا الضيقه, والديكورات المغلقه التي تدفع المشاهد الي الشعور بالحصار ذاته الذي يعيشه البطل, وتتحول الكاميرا الي عين قلقه تلاحق الكائن وهو يتاكل داخل فضاء مغلق, لتنتج لغه بصريه تتماهي مع الخطاب النقدي الذي يوجهه بولانسكي ضد بني القمع والسيطره وتتاسس الابعاد النقديه علي مساءله السلطه الابويه, والعلاقات الاجتماعيه الزائفه, واليات السيطره السياسيه والاقتصاديه, من خلال جعل البطل شاهدًا ومتهمًا في ان واحد, وتفضح هذه السينما الوجه الاخر للحداثه, حيث تغدو الحريه وهْمًا, والعداله لعبه, والانسان دميه تتقاذفها قوي اكبر منه ختامًا يمكن القول ان سينما بولانسكي, عبر هذا المسار الطويل, تشكل مختبرًا للكائن الانساني وهو يواجه هشاشته وعنف العالم المحيط به, اذ يتخذ البطل فيها هيئه الغريب الدائم الذي يجر جرحه الي الامام وهو يبحث عن معني لحياته داخل متاهه لا تنتهي, وكان عباره جيك غيتيس في الحي الصيني تعود لترسم الخاتمه: «انسَ الامر يا جيك, انه الحي الصيني», وهذه العباره تظل شاهدًا علي عبثيه المواجهه وعلي ماساه البطل الذي يستمر في السير رغم يقينه بان العالم لن يمنحه ابدًا خلاصًا
عوالم سينما رومان بولانسكي الظلام مرآة للذات والسينما فعل للبقاء
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: هسبريس