في ظلّ التطوّرات الراهنه في وطننا الكبير الاسلامي والعربي, تتنزل تداعيات الحروب علي الشعوب المستضعفه وحدها, حيث يموت الشباب لكي تحيا افكار الموت لدي الشيوخ. تتحدّي الولايات المتحده العالم باسره, بل وتسعي الي اخضاعه من خلال افتعال الازمات المتتاليه, في اطار تغذيه مشروعها الامبريالي الذي تغيّرت اساليبه, لكنه حافظ علي ارث الامبرياليه الغربيه الاولي. نقطه الانطلاق اليوم, كما في الغد, هي الاقتصاد والمصالح. ولا شكّ انّ الولايات المتحده كانت ولا تزال تراهن علي النجاح الاقتصادي, من خلال السيطره علي الممرات البحريه, ومصادر الطاقه, والمعادن, اضافه الي تغذيه النزاعات من اجل بيع التكنولوجيا والمعدّات العسكريه للدول المتصارعه. وفي هذا السياق, تتقاطع مصالحها مع حليفتها اسرائيل. بل ويمكن القول انها صانعتها, او بالاحري وارثه صناعتها من بريطانيا العظمي. يجلس ترامب علي عرش العالم كرئيس في ثوب ملك, في ظلّ نظام استعماري لم يتخلَّ عن فكره الرجل الابيض, حتي وان لم يكن كذلك فعلياً, المتمثله في اهانهٍ للشعوب الاخري. وقد اعاد احياء مفاهيم القوميه, وثنائيه الشرق والغرب من جديد. اما ما يجري اليوم في منطقه الخليج العربي وبلاد فارس, فما هو الا امتداد لهذا الصراع المستمر والذي يتجلّي في اصرار القوي العظمي علي منع ايٍّ من دول المنطقه من امتلاك القوه والنفوذ الاقليميَّين. وليس المقصود هنا فقط القوه النوويه, كما يدّعي ترامب, بل يشمل ذلك ايضًا القوه العلميه, والاشعاع الحضاري, والقدرات التكنولوجيه, وبناء القدرات الذاتيه. ويتم ذلك عبر استهداف العلماء, وقصف الجامعات, وفرض نزاعات اقليميه علي دول المنطقه مجتمعه, بهدف منعها من التقدّم والعيش بسلام, وعرقله اي مسار للتعاون المشترك, مثل الاتفاقيات التي شهدناها بين الصين والسعوديه وايران. وهو ما يؤكّد ضروره التدخّل الغربي لاعاقه كل ما هو شرقي ومنافس لحضارته. في ظلّ هذا الوضع الدولي الحسّاس, الذي لا يمكننا التموقع فيه باريحيه, لكوننا لا نمتلك التكنولوجيا, ولا نصنع معظم اسلحتنا بايدينا, يبرز مثال تركيا مؤخرًا من خلال ولوجها المتاخر الي شبكات الجيل الخامس (5G). كما اشار وزير خارجيتها الي ما يُعرف بحرب البيانات والحرب السيبرانيه, وهي حروب مكّنت اسرائيل من فرض تفوّقها علي دول المنطقه, واحده تلو الاخري. وكان صريحًا حين اكّد ان الدول التي لا تتحكّم في هذه المجالات لا يمكنها حتي الدخول في مشادات كلاميه متكافئه مع الولايات المتحده او اسرائيل. وفي ضوء تصريح صادر عن وزير خارجيه دوله بحجم تركيا, وعضو في حلف الناتو, يتاكد ما سبق ذكره: نحن لسنا بعد في موقع يمكّننا من حريه التموضع الدولي. وهو ما يفرض علينا ضروره تطوير انفسنا وفكرنا, ومواكبه المتغيرات, حتي نصبح فاعلين ومبادرين في ملعب المستقبل القريب. السياق الحالي يتطلّب تامّلًا حقيقيًا وقراءه دقيقه للواقع. فلا التحالف مع القوي الكبري يضمن لك عدم بطش امريكا واسرائيل بك مستقبلا, ولا الحياد يناي بك من التداعيات. بل ان الخيار الامثل اليوم يتمثّل في مواكبه التحوّلات, وتقويه الجبهه الداخليه. ولعلّ ايران نجحت نسبيًا في بناء جبهه داخليه متماسكه, اعتمادًا علي خطاب قومي ذي بعد ديني جهادي, تجلّي حتي في الثقافه والفنون احيانًا, خلافًا لما كان يُعتقد في فتره الحشد للحرب سابقًا. كما يظلّ تطوير الذات, عبر الاستثمار في العلوم الحديثه وعصرنه المجتمع, شرطًا اساسيًا لمواجهه التحديات العلميه والتكنولوجيه والاقتصاديه. ومن هذا المنطلق, يمكن فهم هذه المفاهيم ضمن السياق الذي سبق ذكره. ولعلّ تركيا استوعبت الدروس من هذا السياق, حيث تبرز مجددًا كنموذج ملهم, من حيث مسارها في التطوّر والاجتهاد, وانتقالها من دوله مستبده و خاضعه لهيمنه المؤسسه العسكريه ومحدوده التاثير, الي دوله فاعله اقليميًا ودوليًا. ويُعدّ حضورها اليوم في سوريا وليبيا وغيرها, اضافه الي تقدّمها في مجالات التكنولوجيا مثل الجيل الخامس, دليلًا علي ذلك. فلنصنع ملحمتنا باراده سياسيه ووطنيه صادقه, منفتحه, ومؤسَّسه علي وعي حضاري, ولنبحث عن شركاء جدد نختارهم بعنايه, فينفعوننا وننفعهم في اوقات الشدّه.
منطق المصالح في النظام العالمي: قراءة في الصراع الجيوسياسي المعاصر
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: صوت المغرب