في الحلقه الثالثه من مذكرته دوله المهمه والوساطه المعطله, التي يخص بها الامين العام الاسبق لحزب الاصاله والمعاصره ورئيس مجلس المستشارين السابق حكيم بن شماش, جريده هسبريس الالكترونيه, اعتبر الكاتب ان المعضله الحزبيه في المغرب اصبحت مشكله ذات كلفه سياديه مباشره علي الدوله والمجتمع معاً, مؤكداً في الوقت ذاته ان الخلل الحقيقي يكمن في اتساع الفجوه بين زمن الدوله وزمن الوسائط السياسيه والحزبيه التي يفترض ان تكون روافع صلبه في البناء. وضمن سلسله المقالات الراميه الي توضيح وتدقيق بعض مضامين ما ورد في, اشار الي ان النداء ليس تمريناً نظرياً خالصاً, ولا مجرد تعليق من خارج الحلبه, وتابع: انه, في جانب مهم منه, عصاره خبره وتجربه شخصيه متواضعه راكمتها من موقع المسؤوليه الحزبيه, والاحتكاك المباشر بتضاريس السياسه وتعقيدات القرار والتدبير, ومن موقع تحمل مسؤوليات مؤسساتيه, ترابيه وبرلمانيه, اتاح لي اختبار منطق الاشتغال العمومي. نص المقاله الثالثه والاخيره: المساله كما اراها اليوم لم تعد تقبل المجامله ولا التخفيف اللفظي: المغرب يوجد امام لحظه دقيقه, ولحظه كهذه لا تُقرا فقط بلغه التوازنات المعتاده, بل بلغه المسؤوليه المواطنه. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل تعيش الاحزاب ازمه? او من يتحمل مسؤوليه ما انتهي اليه حالها? بل: هل يتوجب علي الدوله ان تستمر في تحمل كلفه اعطال السياسه وامراض الوساطه الحزبيه حين تمسك بالقرار العمومي وتدبر الشان الوطني? ليست ازمه رؤيه, بل ازمه وساطه ليست المشكله ان الدوله المغربيه بلا رؤيه, وليست المشكله ان المغرب لا يدرك ما الذي يتغير حوله. بالعكس: الدوله تشتغل داخل رؤيه واضحه لمصالحها العليا, وداخل افق مرجعي يتقوي بالنموذج التنموي الجديد بما هو خارطه طريق كبري معتمده علي اعلي مستوي. كما ان الدوله تبدو, اكثر من الجميع, واعيه بطبيعه التحول الجاري في العالم, بما يتميز به من اعاده لصياغه موازين القوه, وعوده للجغرافيا الي قلب السياسه الدوليه, ولجوء مكثف الي جيوبوليتيك الدم في رسم خرائط النفوذ, واعاده ترتيب لسلاسل القيمه, وتصاعد للتنافس علي الممرات والطاقه والتكنولوجيا. غير ان وضوح الرؤيه ودقه الادراك لا يكفيان وحدهما اذا لم يجدا, في السياسه ووسائطها, ما يكفي من القدره علي الحمل والترجمه والانجاز. ومن هنا تحديداً يبدا الخلل: ليس في غياب المشروع, بل في المسافه التي ما تزال تفصل, في اكثر من مستوي, بين ما راكمته الدوله من وضوح في الاتجاه, وبين قدره الحامل السياسي والمؤسساتي علي تحويل هذا الوضوح الي اثر. وبناءً علي ذلك, يتوجب ان يرتقي النقاش حول مكانه الدوله الوطنيه وموقعها في سياق التحول الجاري في العالم, الي طرح اسئله القدره علي الحسم, والسرعه في التنفيذ, والنجاعه في تحويل التحديات الي فرص, والفرص الي مكاسب. ذلك لان الزمن نفسه -في سياقنا الوطني الراهن- يصبح مورداً سيادياً ثميناً بما لا يقاس. وفي هذا السياق تصبح اولي العبر التي يتعين استخلاصها هي ان الدول التي تؤجل حسم اسئلتها الداخليه او تؤخر معالجتها لا تخسر فقط بعض الكفاءه, بل قد تخسر جزءاً من موقعها الممكن في خرائط القوه الجديده التي يجري صياغتها. والمغرب, من هذه الزاويه, لا يدخل هذه اللحظه من موقع هش او هامشي; لقد راكم خلال العقدين الاخيرين عناصر قوه حقيقيه: استقراراً مؤسساتياً, وموقعاً جيوسياسياً فريداً بين المتوسط والاطلسي وافريقيا, وبنيه لوجستيه وصناعيه تتقدم تدريجياً, وتموضعاً خارجياً اكثر وضوحاً في ملفات السياده والربط القاري والطاقه. لكن ما يحد اليوم من تحويل هذه العناصر الي قفزه نوعيه ليس نقصاً في الرؤيه الاستراتيجيه, بل اتساع الفجوه بين زمن الدوله وزمن الوسائط السياسيه والحزبيه التي يفترض ان تكون روافع صلبه في البناء. هنا تحديداً يجب ان يقال الامر بوضوح: المعضله الحزبيه في المغرب لم تعد مجرد ازمه وساطه او تراجع ثقه او ضعف تاطير, او عجز عن انتاج المعني, علي اهميه كل ذلك. لقد اصبحت, في جانب منها, مشكله ذات كلفه سياديه مباشره علي الدوله والمجتمع معاً. ذلك ان الاحزاب, حين تمسك بالقرار العمومي في الحكومه والبرلمان وفي المختبر الاداري والترابي, ولا ترتقي الي مستوي الرهانات الوطنيه والدوليه المصيريه, لا تعطل نفسها فقط, بل تستنزف طاقه المجتمع ومعها الزمن السيادي للدوله, وتبطئ حركتهما, وتحوّل جزءاً من الفرصه التاريخيه المتاحه الي فرصه مهدوره. ويتراءي لي ان عقلاء كُثر من ابناء البلد, ومن حساسيات وافاق مختلفه, ما انفكوا يدعون لمعالجه هذا الخلل; بل ان اعلي سلطه في الدوله نفسها -ومنذ سنوات- نبهت الي ضروره التصدي لهذا الخلل. ويكفي ان نذكر هنا -علي سبيل المثال فقط- ان جلاله الملك وجه في خطاب العرش لسنه 2017 نقداً شديداً للعجز عن الانصات للمواطنين وعن حل مشاكلهم, ودعا صراحه في خطاب افتتاح البرلمان سنه 2018 الي مراجعه طرق اشتغال الاحزاب وتقويه اجهزتها بالكفاءات العامله في التفكير والتحليل والابتكار. في مثل هذه الخطابات, التي تكرر محتواها لاحقاً بكثره, لم يكن الامر مجرد موعظه سياسيه, بل كان تشخيصاً عميقاً لخلل بنيوي. لكن ما وقع بعد ذلك يبرهن ان التنبيه وحده لا يكفي; لان الاحزاب, في مجملها, لم تظهر بالقدر الكافي من المسؤوليه تحولاً يوازي حجم النقد ولا منسوب الرهانات والتحديات المطروحه علي الاجنده الوطنيه. لهذا يبدو الرهان علي الاصلاح الذاتي الحزبي رهاناً ضعيفاً الي حد بعيد. ليس فقط لان الاراده غير ظاهره, بل لان البنيه نفسها لا تدفع اليه. فالاحزاب مطالبه باصلاح نفسها عبر الاليات ذاتها التي انتجت اعطابها: منطق الزعامه, وشبكات التموضع, وهشاشه الديمقراطيه الداخليه, وفقر الاجهزه الفكريه, وضعف صناعه النخب التنفيذيه, ومقاومه مستميته تبديها ذهنيه الريع والغنيمه المتجذره في مفاصلها. وفي مثل هذه البنيه لا يولد الاصلاح من الداخل غالباً, بل يولد الاكتفاء باعاده التموضع داخل الاستمرار وتحت سقف النمط نفسه. تلك واحده من تجارب شخصيه عشتها من الداخل وفي معمعه تحمل المسؤوليه الحزبيه, التي قد ياتي اوان التفصيل فيها ذات يوم. حين يضيق الزمن السيادي ثم ياتي عامل الزمن ليزيد الصوره حده; فالانتخابات التشريعيه المقبله حُدد لها يوم 23 شتنبر 2026. وهذا الافق الزمني لا يسمح, عملياً, باي اصلاح حزبي عميق قبل الاقتراع. لذلك, فان التوقع الاقرب الي الواقعيه ليس ان تنتج الانتخابات قطيعه بنيويه مع الاعطاب الحاليه, بل ان تعيد -بدرجات متفاوته وبصيغ مختلفه- انتاج المشهد نفسه, حتي لو تبدلت المراتب والتحالفات. والخطر ليس فقط في اعاده الانتاج, بل في ان هذا التكرار سيقع في ظرف دولي اشد حساسيه وضغطاً من اي وقت مضي. هذا الظرف الدولي الضاغط لا يرتبط فقط باعاده تشكيل النظام الدولي علي نحو عام, بل ايضاً بثلاثه استحقاقات كبري تمس المغرب بصوره مباشره: الاول: ان المغرب يقترب, اكثر من اي وقت مضي, من ترجيح افق الحكم الذاتي بوصفه الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الصحراء. وعلي الرغم من عدم وجود معطيات دقيقه وموثقه عن مال المفاوضات الجاريه -برعايه امريكيه وامميه وبدعم معلن من قوي دوليه وازنه تنتصر للحكم الذاتي- فان المؤشرات التي تتوالي بعد صدور قرار مجلس الامن الدولي 2797, وتتعزز اكثر في سياق ما يتم رصده من معطيات مرتبطه بالمفاوضات الجاريه, جميعها تعني ان المغرب يتحرك داخل ديناميه دوليه ترجح سيناريو حل الحكم الذاتي اكثر من السابق. ومن ثم فان التحدي المقبل لم يعد فقط كسب الاعترافات وحشد الدعم, بل الاستعداد السياسي والمؤسساتي والتنموي لما يفرضه هذا الافق من مسؤوليات واستحقاقات جديده. وفي ارتباط بهذا الاستحقاق المصيري, ربما يتوجب هنا ان نميز -من الناحيه الاجرائيه فقط- بين ما يستوجبه الاستحقاق من ترتيبات سياسيه ومؤسساتيه لاستيعاب جهه الحكم الذاتي في المعمار المؤسساتي الوطني علي قاعده جبهه داخليه اكثر تماسكاً وثقه ونجاعه, وما يعنيه ذلك من قدره علي الحسم في ملفات الشفافيه, ومحاربه الفساد, وانهاء تضارب المصالح, وتحسين نجاعه السياسات العموميه, وتقويه العداله الاجتماعيه والمجاليه; وبين ما هو مرتبط بانضاج شروط انجاز انتقال جذري صار يلوح في الافق في موقع الدوله نفسها: من الدوله المدبره للتوازنات في الاقليم الي الدوله المصممه للمعادلات في الفضاء الافريقي والاطلسي. الثاني: ان دروس الحرب المستمره علي ايران في امتداداتها المتشعبه تعيد التذكير, بعنف, بان العالم عاد الي زمن الاختناقات الاستراتيجيه. فالوكاله الدوليه للطاقه تؤكد ان مضيق هرمز عبره في 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطيه, اي نحو ربع تجاره النفط المنقول بحراً, وان 80% من هذه التدفقات تتجه الي اسيا, مع محدوديه البدائل المتاحه لتجاوز المضيق. وتؤكد ايضاً ان اغلاقاً مطولاً ستكون له اثار ضخمه علي النفط والغاز معاً, لان المضيق يمر عبره ايضاً نحو 20% من تجاره الغاز الطبيعي المسال عالمياً. بعباره اخري: الحرب المستعره لا تقدم فقط درساً عسكرياً, بل تعيد تعريف الطاقه باعتبارها مساله امن قومي مباشر يمس بلادنا في الصميم. الثالث: ان المغرب نفسه, بالرغم من الجهد الجبار الذي بُذل, ما يزال شديد الانكشاف طاقياً. فاعتماده البنيوي علي الواردات الطاقيه يجعل اي اضطراب كبير في الممرات او الاسعار لا يبقي حدثاً خارجياً محايداً, بل يتحول مباشره الي ضغط علي الحسابات الخارجيه, وعلي كلفه الانتاج, وعلي القدره الشرائيه, وربما -اذا طال امد الصدمه- علي كلفه التمويل وهوامش المناوره الاقتصاديه نفسها. صحيح ان الدوله ما تزال تملك من الادوات والاحتياطيات ما يتيح امتصاص الصدمات القصيره ويمنع الانزلاق الفوري الي وضع غير مضبوط, لكن ذلك لا يغير اصل المشكل: الهشاشه الطاقيه قائمه, وهي تجعل الزمن المتاح للتكيف اضيق مما يبدو. ومن هنا يصبح الانتقال الطاقي, وتعميق السياده في هذا المجال كما في مجالات اخري ذات صله, ليس فقط خياراً تنموياً او بيئياً, بل خياراً سيادياً بامتياز. اذا جمعنا هذه المستويات الثلاثه معاً, اتضحت دقه وخطوره اللحظه التي تجتازها بلادنا. فالمغرب ليس امام ترف سياسي, بل امام امتحان تاريخي مزدوج: من جهه, افق سيادي يقترب من فرض الحكم الذاتي في ملف الصحراء بما يفرضه من جاهزيه عاليه للدوله والمجتمع والمؤسسات; ومن جهه ثانيه, عالم مضطرب اعاد الطاقه والممرات والمرونه الاستراتيجيه الي صداره الاولويات. وفي مثل هذه اللحظه, لا يصبح السؤال المطروح: هل تعيش الاحزاب ازمه? هل ترقي حصيله تدبيرها لشؤون الوطن في الحكومه والبرلمان والاداره والجماعات الي الحد المعقول? فالجواب علي ذلك صار بديهياً ومعروفاً, ولسنا نحن من يطلق هنا احكاماً انطباعيه, بل ان المؤسسات الوطنيه والدستوريه نفسها ما انفكت تقول ذلك. ولذلك فالسؤال الحقيقي هو: هل يجوز ان يبقي جزء من الزمن الوطني رهينه احزاب معطوبه ثبت انها عاجزه عن اصلاح نفسها, وثبت ايضاً انها لم تقو -وهي في موقع القرار الحكومي المدعوم باغلبيه برلمانيه مريحه وحصه الاسد في الجماعات الترابيه- علي تجسير الفجوه بين رؤيه مرجعيه ومشروع واضح تحمله الدوله في مستوياتها العليا, وبين وسائط عاجزه عن حملها وتنزيلها في مستويات التنفيذ والترجمه والعيش اليومي للمواطن? لقد جربنا تقريباً كل الاليات التقليديه لاصلاح هذا الخلل ولكن من دون اثر حاسم: جري التنبيه من اعلي, وُجهت انتقادات صريحه للاحزاب وطريقه اشتغالها, جري التذكير بواجب الانصات للمواطنين وربط المسؤوليه بالمحاسبه, طُرحت الحاجه الي احزاب تنتج الكفاءات والتفكير والابتكار. ومع ذلك, لم يقع التحول البنيوي المنتظر. هذا ليس تفصيلاً بل حقيقه تتكشف ومعناها ان الازمه اعمق من ان يتم حلها بالموعظه السياسيه او بالتانيب العلني, مهما بلغت حدتهما. جربنا ايضاً اليه التعويض; اي ان تتدخل الدوله, كلما ظهر عجز حزبي او قطاعي, عبر القنوات الاداريه والترابيه والتقنيه من اجل حمايه الاستمراريه وضمان حد ادني من النجاعه. وقد نجحت هذه الاليه جزئياً في انقاذ التنفيذ ومنع الشلل في ملفات متعدده. لكنها, مع ذلك, لم تعالج اصل الخلل, بل انها انتجت مفارقه دقيقه: كلما توسعت قدره الدوله علي التعويض عن ضعف الاحزاب في القطاعات التي تدبرها, تقلصت الحوافز الواقعيه لاصلاح الاحزاب نفسها. وهكذا صار التعويض ضرورياً, لكنه غير كافٍ; مفيداً, لكنه لا يعالج المرض. اما الرهان علي ان تدفع كلفه الفشل بعض القوي الي مراجعات اضطراريه, فقد اثبتت التجربه محدوديته هو الاخر; لان الحقل الحزبي كما قلنا لا يتصرف غالباً بمنطق التعلم من الخساره, بل بمنطق اعاده التموضع داخل الممكن نفسه. لذلك لم يعد السؤال: كيف ننتظر ان تصلح الاحزاب نفسها? بل صار السؤال الاصح: كيف نمنع اعطابها من ابتلاع الزمن الاستراتيجي للدوله? نطرح هذا السؤال مجدداً لان كلفه الخلل الحزبي عندما تبلغ هذا الحد, يصبح من غير الوارد ان تستمر الدوله في امتصاص الاعطاب الي ما لا نهايه; لان ما كان في السابق عبئاً سياسياً جري تدبيره بالطريقه التي نعرفها جميعاً, صار اليوم عبئاً سيادياً يمتص طاقه المنعطف المطلوب. ولان هذه الكلفه صارت تُدفع اليوم داخل زمن لم يعد محايداً; فالدوله لا تتحرك في فراغ زمني مفتوح, ولا في ايقاع يسمح بترحيل الاختلالات من محطه الي اخري من دون ثمن متزايد. نحن امام زمن سيادي ضاغط: زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسيه, وتثقل فيه رهانات الماء والطاقه والغذاء, ويقترب فيه ملف الصحراء من مرحله اكثر حسماً بما تفرضه من استحقاقات جديده, وتتعاظم فيه الحاجه الي جبهه داخليه متماسكه, والي مؤسسات سريعه, والي وسائط قادره علي حمل المشروع لا تعطيله. وفي مثل هذا الزمن, لا تعود اعطال السياسه واعطاب الوساطه مجرد خلل في الاداء, بل تتحول الي استهلاك مباشر من رصيد الدوله الاستراتيجي. فكل مره تضطر فيها الدوله الي تعويض بطء الحامل السياسي او ضعف الوساطه, فهي لا تدفع فقط كلفه اداريه او تدبيريه, بل تدفع ايضاً من زمنها السيادي نفسه; اي من قدرتها علي التركيز, والحسم, والتحويل السريع لاولوياتها الي اثر. ومن هنا تكتسب المساله طابعها الاستعجالي الحقيقي: فالسؤال لم يعد فقط الي متي ستتحمل الدوله كلفه الاعطاب? بل كم من الزمن السيادي تستطيع ان تنفقه بعد في تحملها? هنا تحديداً تفرض نفسها فكره اراها اكثر دقه من كل الصيغ الملتبسه التي يجري تداولها في نقاشاتنا العموميه: المغرب في حاجه الي جراحه سياديه تحت سقف الدستور. الجراحه السياديه تحت سقف الدستور ومره اخري فان ما اعنيه بهذه الصيغه ليس استعاره فضفاضه. ما اقصده بالضبط تدخلاً سيادياً ارادياً لا يقفز علي الدستور, ولا يعلق السياسه, ولا يلغي الاحزاب, ولا يصادر التعدديه; لان ذلك سيكون خطاً فادحاً, فضلاً عن انه لا يرد في عقل ومنطق اشتغال الدوله نفسها كما اختبرها المغاربه في الميدان. المقصود هو العكس تماماً: تفعيل المنطق العميق للدستور من اجل اعاده تنظيم العلاقه بين الدوله الاستراتيجيه -التي قد يكون من الانسب ان نعرفها بالنظر للتحديات التي يفرضها السياق الدولي الراهن ب دوله المهمه L’Etat mission- في علاقتها بالحكومه, والاحزاب, والبرلمان, علي نحو يمنع اعطاب الوساطه وما تنتجه من سياسه سياسويه من تعطيل الاولويات العليا للبلد. فالدستور لا يحمي التعدديه فقط, بل يربطها ايضاً بالحكامه الجيده, والمسؤوليه بالمحاسبه, والتدبير العمومي بالنجاعه. غير ان الدعوه الي جراحه سياديه تحت سقف الدستور لا تستقيم الا اذا حُددت مفاصلها بدقه, حتي لا تنزلق الي عموميات انشائيه او الي تاويلات تمس روح الدستور بدل ان تستكملها. فالمقصود هنا ليس القفز علي السياسه, ولا الالتفاف علي التعدديه, ولا اضعاف المؤسسات, بل اعاده ترتيب بعض المفاصل التي صار اختلالها يحمّل الدوله كلفه لا ينبغي ان تستمر في تحملها وحدها. ومن هذه الزاويه, يمكن تحديد اربعه مفاصل رئيسيه يبدو ان اعاده ضبطها اصبحت اليوم ضروره وطنيه لا مجرد خيار اصلاحي مؤجل: اول هذه المفاصل: تحصين وحمايه مسار الاولويات السياديه من كل ما يبطئ حملها او يعرقل تحويلها الي اثر. ورفعاً لكل لبس, علينا ان نذكر هنا ان تحرير الاولويات السياديه قائم فعلاً في بلادنا, ومسنود بالدستور نفسه, وقد صار جزءاً اصيلاً من منطق الدوله. فدستور 2011 يجعل التوجهات الاستراتيجيه لسياسه الدوله من اختصاصات المجلس الوزاري برئاسه الملك, بينما تُناط بالحكومه مسؤوليه تدبير السياسات العموميه والقطاعيه وتنفيذها. هذا يعني ان تحييد الاولويات العليا عن التفاوض الحزبي اليومي ليس مجرد اجتهاد ظرفي او ممارسه عابره, بل يستند الي منطق دستوري واضح, والي هندسه مؤسساتيه تجعل من الدوله الاستراتيجيه المرجع في القضايا التي تمس المصلحه العليا للبلاد. وقد اظهرت الممارسه خلال السنوات الاخيره ان هذا التحرير صار قاعده اشتغال في ملفات كبري من قبيل الماء, والسياده في ابعادها الطاقيه والغذائيه والدوائيه, وواجهه المغرب الاطلسيه, والاستعداد للمونديال, والاستعداد السياسي والمؤسساتي لافق الحكم الذاتي في الصحراء غير ان الحاجه تبدو اليوم ملحه -في ضوء ما اشرنا اليه من تحديات- الي استكمال هذا التحرير وتحصينه في مستواه الاكثر حساسيه: مستوي التنفيذ والتنزيل من اعلي الي اسفل; اي حمايه انتقال هذه الاولويات من مستوي القرار الاستراتيجي في القمه الي مستوي الترجمه العمليه داخل الحكومه, والبرلمان, والادارات, والجماعات الترابيه, من اعطال البطء, وضعف التنسيق, والتجاذب الحزبي, ومحدوديه الالتقائيه بين المتدخلين, وتشتت المسؤوليات, والاستهتار بها احياناً. فالمشكله في المغرب لم تعد اساساً في غياب تحرير الاولويات السياديه, بل في ان هذا التحرير لا يبلغ دائماً, بالوضوح والسرعه نفسيهما, مستويات الحمل السياسي والمؤسساتي والتنفيذي عبر مختلف حلقات الدوله. والدليل علي ذلك, ان كنا نحتاج الي دليل, ما كشف عنه المجلس الاعلي للحسابات عند تقييمه لبرامج التنميه المنبثقه عن اتفاقيات موقعه في اعلي مستوي; فقد سجل المجلس ان من اصل 78 برنامجاً واتفاقيه جري فحصها, لم يُستكمل سوي 32 برنامجاً فقط, اي ما يعادل 41%, بينما بقي 46 برنامجاً (59%) غير منتهيه, بسبب ضعف التنسيق القبلي, وتاخر الدراسات, وعدم تعبئه العقار في الوقت المناسب, وتفاوت القدرات التدبيريه, ونقائص في قياده التنفيذ والتتبع. وهذا يؤكد ان المشكله لا تكمن في كثير من الاحيان في غياب القرار او التوجيه, بل في تعثر ترجمته داخل السلسله الحكوميه والاداريه والترابيه. ثاني هذه المفاصل: هو تحويل الحكومه فعلاً الي جهاز انجاز, وهو مفصل يقتضي هو الاخر اعلي درجات التدقيق حتي لا يُفهم علي غير وجهه. فالحكومه في النظام الدستوري المغربي ليست اداره تقنيه صرفه, بل مؤسسه سياسيه كامله تستمد مشروعيتها من التعيين الدستوري, ومن البرنامج الحكومي, ومن ثقه البرلمان, وتمارس السلطه التنفيذيه تحت سلطه رئيس الحكومه الذي منحه دستور 2011 اختصاصات تنظيميه وتنسيقيه وقياديه واضحه. كما ان القانون التنظيمي المنظم لتسيير اشغال الحكومه لم ياتِ لتقليص هذا البعد السياسي, بل لعقلنته وتاطيره وضمان انسجامه. وقد يعترض قائل بان الحكومه تحظي بشرعيتين مترابطتين: شرعيه التعيين, وشرعيه التنصيب البرلماني, وان معيار الحكم والمحاسبه في النهايه هو الشعب حين يحين موعد الاقتراع. ان هذا اعتراض وجيه من حيث الاصل, لكنه لا ينقض ما نقوله, بل يؤكده من زاويه اخري; لان هذه الشرعيات لا تمنح الحكومه حق الوجود السياسي فقط, بل تحملها واجب الاثر. فهي لا تجعل منها مجرد هيئه تمثيل حزبي او ائتلافي, بل سلطه تنفيذيه مسؤوله عن التنسيق والتنفيذ والنتائج. ومن ثم, فالمطلوب ليس تحويل الحكومه من فضاء سياسي الي جهاز اداري, بل تفعيل المكتسب الدستوري علي نحو يجعل التمثيل السياسي داخل الحكومه خادماً للانجاز لا بديلاً عنه. فالمشكل ليس ان الحكومه سياسيه اكثر مما ينبغي, بل انها لا تنجح دائماً في تحويل شرعيتها السياسيه الي قدره تنفيذيه منسجمه. كما ان الاحتكام الي الناخبين لا يعني تعليق كل مساءله الي نهايه الولايه, لان الدستور يقيم المسؤوليه الحكوميه علي المساءله المستمره وربط المسؤوليه بالمحاسبه. اما كيف يتم ذلك بالتحديد, فالمقصود في الحد الادني هو رفع كلفه البطء الحكومي, وتحسين الانسجام بين القطاعات, وربط شرعيه التمثيل بوضوح المسؤوليه والنتائج. اما صيغ تحقيق ذلك, فهي من المواضيع التي ينبغي ان تبقي مفتوحه للنقاش العمومي وللاجتهاد الدستوري والتشريعي. ثالث المفاصل: يتعلق بالاحزاب نفسها, ويقتضي هو ايضاً اعلي درجات التدقيق; لان الامر يتعلق بمؤسسات دستوريه للوساطه والتاطير والتمثيل. فدستور 2011 اسند اليها وظيفه واضحه في تاطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي, ونص علي ان تنظيمها وتسييرها يجب ان يكونا مطابقين للمبادئ الديمقراطيه. ومن ثم, فالمطلوب هو تفعيل المقتضي الدستوري علي نحو يجعل الاعتراف العمومي والدعم المالي مرتبطين بصوره اكثر صرامه بمدي اقتراب الحزب من وظيفته الدستوريه الفعليه: في التاطير, وصناعه النخب, واحترام الشفافيه. فالمشكل هو ان الاطار المعياري القائم لم ينتج بعد فرزاً وظيفياً بين حزب يقوم بدوره العام, وحزب يظل مستفيداً من الامتيازات رغم محدوديه ادائه او تحوله الي مجرد وعاء انتخابي موسمي. ولا بد هنا من التحذير من خطر الوقوع بين خطاين متقابلين: اما ترك الحقل الحزبي في رخاوته الحاليه باسم حمايه التعدديه, واما المساس بالتعدديه نفسها باسم البحث عن الفعاليه. والمطلوب هو الجمع بين الامرين: صون التعدديه, ورفع كلفها عن الدوله حين تتحول الي شكل بلا وظيفه. اما كيف يتم ذلك, فليس عبر تضييق الحريه الحزبيه, بل عبر اليات موضوعيه تربط الدعم العمومي بمعايير الديمقراطيه الداخليه والقدره الفعليه علي الاقتراح. كما يقتضي ايضاً القطع مع ثقافه ارجاء القضايا الحاسمه الي مواثيق شرف فضفاضه, وحسمها بدلاً من ذلك داخل النصوص والاليات والمؤسسات. رابع المفاصل: يتعلق بالمؤسسه البرلمانيه وباعاده وزن الوظيفه التمثيليه والرقابيه داخل الدوله. وهذا بدوره مفصل يقتضي حذراً, لان المقصود هو استكمال ما اراده له الدستور بوصفه فضاءً للتشريع والمراقبه وتقييم السياسات العموميه, لا مجرد غرفه لتامين الاسناد العددي للحكومه. فالمشكل هو ان المسانده الحكوميه لا ينبغي ان تُفرغ البرلمان من وظيفته الاثقل: مساءله السياسات وفرض سؤال النتائج. والمطلوب هو برلمان يضيف الي الدوله ما لا تستطيع الحكومه ان تضيفه وحدها: التدقيق, والتقويم, والتقييم, وادخال انتظارات المجتمع وقلقه الي صلب النقاش العمومي. وهذا يعني الا يتحول التشريع الي مجرد امتداد الي للاجنده الحكوميه, والا تُفرغ الرقابه من ثقلها, والا تُختزل حقوق المعارضه في الحضور العددي. اما كيف يتم ذلك تفصيلاً, فليس عبر تعطيل منطق الاغلبيه, بل عبر اجتهاد يعيد ضبط العلاقه بين المسانده والمساءله, ويرفع من الوزن العملي لادوات التقييم. ان مواطن الخلل تظهر بوضوح اكبر حين ننتقل من النص الي التجربه. فقد تبين لي من واقع الممارسه ان المشكله تكمن في هشاشه الاستمراريه المؤسسيه امام تغير المواقع. وهنا اعطي امثله عشتها: فحين كنت رئيساً لمجلس المستشارين اطلقنا مبادرات لتقويه نجاعه الرقابه, مثل اليه تتبع تنفيذ الالتزامات والوعود التي يطلقها الوزراء, لضمان تحويل الجواب الحكومي الي التزام قابل للمساءله, غير ان هذه الاليه جري الاجهاز عليها لاحقاً. وفي الاتجاه نفسه, كان هناك حرص علي جعل المجلس فضاءً يستوعب اسئله المواطنين عبر تنظيم منتديات منتظمه للنقاش العمومي, بمنطق مؤسساتي قائم علي استخلاص المخرجات (OUTPUTS) وتحويلها الي ادوات تغذي التشريع والرقابه, لكن هذا النفس جري افراغه هو الاخر من محتواه. بل ان الامر امتد الي الدبلوماسيه البرلمانيه, حيث جري تاسيس منتدي يجمع برلمانات افريقيا وامريكا اللاتينيه, مثّل وقتها مكسباً نوعياً لحضور المغرب البرلماني الخارجي, ثم ما لبث هذا التراكم ان فقد اثره. وهنا تتجلي احدي اخطر افات المنطق الحزبي الضيق: انه لا يكتفي بابطاء المؤسسه, بل يضعف ذاكرتها ويقطع استمراريه التراكم داخلها. انقاذ الممكن الان وابقاء الاسئله الكبري مفتوحه اذا كانت هذه المفاصل الاربعه تكشف ان الخلل لم يعد كامناً فقط في ضعف اداء ظرفي, فان النتيجه هي ان المغرب يواجه حدود بنيه كامله في الوساطه والحمل والتنفيذ. ومن هنا, فالمساله لم تعد تتعلق بمن سيتصدر الانتخابات المقبله, ولا باي تحالف سيقود الحكومه, ولا بمن سيتراس حكومه المونديال (يا لسخافه الشعار); فالمساله اعمق بكثير: هل يريد المغرب ان يواصل الدوران داخل البنيه نفسها, ام يريد ان يحمي زمنه السيادي من الاعطاب التي صارت تكلفه وقتاً ثميناً? في اعتقادي, لا يكفي اليوم ان نقول ان الاحزاب ضعيفه, بل المطلوب هو الانتقال الي قرار مؤسسي حاسم: ان لا تبقي الشرعيه الانتخابيه وحدها كافيه لتولي القرار العمومي, وان لا تبقي الكفاءه خارج المساءله السياسيه, وان لا تبقي الدوله مضطره لحمل عبء الرؤيه والتنفيذ والتصحيح في ان واحد. ذلك هو معني الجراحه السياديه تحت سقف الدستور: لا استثناء علي الشرعيه بل انفاذ اعمق لها, ولا استئصال للسياسه بل استئصال للاورام التي نمت داخلها. ان المغرب, وهو يقترب من افق جديد في ملف الصحراء, ويقرا دروس الحرب والطاقه, لا يحتاج الي مزيد من الانتظار, بل يحتاج الي شجاعه مؤسساتيه تجعل من هذه اللحظه فرصه لاعاده ترتيب ادواته. ليس من الطبيعي ان تظل الدوله تتحمل كلفه اعطال السياسه; لان الدوله التي تُضطر دائماً لتعويض ضعف ادواتها تستهلك من زمنها الاستراتيجي وتدفع من فرصتها التاريخيه. وعند هذه النقطه, لا يعود الاصلاح ترفاً, بل يتحول الي ضروره وطنيه لحمايه زمن الدوله وصيانه جدوي السياسه. ومع ذلك, فان الحسم في المبدا لا يعني القفز علي السؤال: ما الذي يمكن فعله فعلاً في الزمن المتاح? وهل تستدعي هذه الجراحه تعديلاً للدستور? الجواب الارجح ان الزمن المتبقي في افق الانتخابات المقبله لا يسمح بفتح هذا الورش علي نحو ناضج. ولذلك فان اضعف الايمان هو انقاذ ما يمكن انقاذه داخل الزمن المتاح ومن داخل الدستور القائم, عبر تفعيل اكثر صرامه لروحه. لكن هذا لا يلغي ان الاسئله الكبري التي يثيرها هذا المقال لا ينبغي ترحيلها; فالخلل لم يعد عرضياً, واذا افضت المفاوضات حول الصحراء الي اتفاق يقوم علي اعتماد الحكم الذاتي, فان مراجعه دستوريه ستغدو ضروريه لادماجه في المعمار الدستوري. ومن ثم, فاننا لا نقصد اغلاق النقاش الدستوري, بل ترتيب اولوياته: انقاذ الممكن الان, مع ابقاء الاسئله الكبري المتعلقه بكيفيه المعالجه الجذريه لكلفه اعطال السياسه ضمن صلب الاجنده الوطنيه المقبله. ان انقاذ الممكن الان لا ينبغي ان يتحول الي ذريعه لطي الاسئله الاثقل, لان ما يُطرح هنا يمس بنيه الوساطه نفسها. وعندما تبلغ الدوله هذه النقطه, لا يعود الاصلاح خياراً, بل شرطاً من شروط حمايه المشروع نفسه.
بنشماش يتساءل: إلى متى تتحمل الدولة كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة؟
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: هسبريس