وادنون هل تفشل النخبة أم يجري إفشالها؟ قراءة في تجربتي بوعيدة والصباري

وادنون هل تفشل النخبة أم يجري إفشالها؟ قراءة في تجربتي بوعيدة والصباري

في وادنون, لا يبدو النقاش حول النخبه مجرد ترف فكري عابر, بل يكاد يكون سؤالا مزمنا يعود كلما برزت تجربه سياسيه او احتدم الجدل حول مسارها. فوادنون, التي انجبت عبر تاريخها عددا من الاطر والكفاءات في مجالات شتي, تجد نفسها اليوم امام معادله تبدو عصيه علي الفهم: حضور معتبر للنخب في الواجهه السياسيه والاعلاميه, مقابل تاثير محدود في توجيه النقاش العمومي او تحويل الافكار الي فعل تنموي ملموس. ولعلّ ما يُثير الانتباه ان كل تجربه سياسيه برزت في الجهه سرعان ما تتحول الي موضوع سجال حادّ يعيد طرح السؤال ذاته: هل تعاني وادنون من ازمه نخبه, ام ان المشكله تكمن في بيئه عاجزه عن احتضان هذه النخب? هذا السؤال لا ينفصل عن التحولات التي عرفتها جهه كلميم وادنون خلال السنوات الاخيره, حيث يبدو ان الاشكال قد لا يتعلق بالافراد او بالمواقع التي يشغلونها بقدر ما يرتبط بطبيعه العلاقه المعقده بين النخبه والبنيه المؤسساتيه والمجال السياسي والاجتماعي الذي تتحرك داخله. فقد تحول المجال السياسي في كلميم, في كثير من الاحيان, الي فضاء للصراع يجعل من احتضان التجارب وتثمينها امرا عسيرا, وبدل ان ينصب النقاش علي تقييم موضوعي للمسارات والحصيله في افق بناء تفكير جماعي حول مستقبل الجهه, ينزلق في احيان كثيره نحو سجالات حاده تطرح الاسئله المعلوطه, والتي تختلط فيها الاعتبارات السياسيه بالاصطفافات الضيقه. واذا اتفقنا علي ان النخبه التي يُعوَّل عليها هي تلك الاطر المثقفه المنتميه الي الجهه, فان تجربه رئيس الجهه السابق عبد الرحيم بوعيده, وتجربه النائب البرلماني محمد الصباري, تبدوان نموذجين بارزين لهذه الاشكاليه. فهذان المساران, رغم اختلاف السياقات, يعكسان تعقيد العلاقه بين النخبه والمجال في وادنون, حيث يتارجح النقاش باستمرار بين فرضيتين: فشل النخبه او افشالها. وفي هذا السياق, تبرز تجربه عبد الرحيم بوعيده باعتبارها محاوله لنموذج سياسي مثقف وجد نفسه يشتغل داخل سياق سياسي غير مستقر, اتسم بتوترات حاده داخل مجلس الجهه وصراعات معقده حالت دون تبلور تجربه مؤسساتيه قابله للتقييم الهادئ. وهو ما سبق ان عبّر عنه بوعيده حين صرّح بان الجهه تحولت الي ما يشبه مختبرا لتفصيل الخرائط السياسيه, وذلك في اشاره داله الي هشاشه المجال المحلي وما يتيحه من توازنات وصراعات قد تعرقل استقرار التجارب السياسيه. ومن هذه الزاويه, يصعب تحميل النخبه وحدها مسؤوليه تعثر هذه التجربه, بقدر ما تكشف عن حدود الاشتغال داخل بنيه سياسيه محليه ما تزال محكومه بثقافه الصراع والتوازنات الهشه. غير ان ما يستحق الانتباه في هذه التجربه هو انها حملت دلاله رمزيه اعمق; اذ بَدا في كثير من النقاشات التي رافقتها وكان وجود شخصيه ذات خلفيه فكريه علي راس مؤسسه جهويه تحوّل, لدي بعض الاطراف, الي مناسبه لتكريس خطاب مفاده ان المثقفين لا مكان لهم في تدبير الشان العام وهنا يبرز سؤال لا ينبغي القفز عليه: من المستفيد من ترسيخ مثل هذا الخطاب? لقد بات واضحا ان اقصاء النخب القادره علي التفكير النقدي وطرح الاسئله المقلقه لا يخدم, في الغالب, سوي منظومات المصالح واللوبيات التي تجد في اضعاف حضور المثقف داخل المجال العمومي شرطا لاستمرار ممارساتها بعيدا عن المساءله والرقابه. وليس خافيا ان الجهه قدمت خلال السنوات الماضيه نماذج مؤسفه تؤكد هذه المفارقه, في ظل ضعف الدور التاطيري والرقابي الذي يفترض ان تضطلع به مؤسسات الدوله والهيئات الوسيطه في حمايه الفعل العمومي من الانزلاق نحو منطق المصالح الضيقه. واذا كانت تجربه بوعيده قد طرحت سؤال العلاقه بين النخبه والمجال من زاويه التدبير الجهوي, فان تجربه النائب البرلماني محمد الصباري تقدم زاويه اخري لقراءه المسار ذاته. ففي تدوينه مطوله استحضر فيها علاقته بمدينه كلميم, اكد الصباري ان ارتباطه بها لا يختزل في دائره انتخابيه, بل هو ارتباط انتماء ووفاء لارض وادنون, ومن خلال هذا الخطاب بدا واضحا انه يطرح مقاربه تقوم علي الترافع عن ملفات وادنون وقضايا الجهه من داخل المؤسسات الوطنيه, معتبرا العمل البرلماني اداه للدفاع عن انتظارات الساكنه ومواجهه الاختلالات. كما اشار الي ان مسارات العمل السياسي لا تسير دائما كما يشتهي اصحابها, وهو ما يعكس ادراكا لتعقيدات المجال السياسي المحلي, رغم تاكيده انه يتصدر المشهد الرقابي في الدفاع عن قضايا الساكنه, ليس فقط علي صعيد الاقليم, بل علي صعيد الجهات الجنوبيه الثلاث. غير ان تجربه الصباري, وان عكست مسارا مختلفا للنخبه الوادنونيه داخل المؤسسات الوطنيه, فانها تؤكد استمرار التحديات نفسها التي تواجه نخب المنطقه, فحديثه الصريح عن مخاطر تغول الفساد وتمدد الاختلالات في صمت تهدّد المؤسسات المنتخبه والهيئات السياسيه, وهو ما يعيدنا الي السؤال الجوهري: هل يتعلق الامر فعلا بفشل النخب, ام بطبيعه المجال الذي تتحرك داخله? وفي هذا السياق, يحق لنا ايضا ان نتساءل عن مسؤوليه الدوله ومؤسساتها في هذا الوضع: الي اي حدّ وفرت الشروط الموضوعيه والمواكبه الفعليه لتمكين النخب المحليه من الاضطلاع بدورها في تدبير الشان العام بما يخدم المواطن ويُنجح ورش الجهويه المتقدمه? ام ان بعض اليات اشتغال الدوله علي المستوي الترابي اصبحت هي نفسها جزءا من الاشكال الذي يحُد من قدره هذه النخب علي تحويل حضورها السياسي الي اثر تنموي ملموس? كما ان الاراده السياسيه للاحزاب التي تنتمي اليها هذه النخب تبقي, هي الاخري, امام اختبار حقيقي في مدي امتلاكها الشجاعه والجراه الكافيتين لانجاح مشاركه النخب في الشان العام, ليس فقط عبر منحها مواقع التمثيل, بل ايضا عبر توفير الدعم اللازم للفعل والتاثير والاستمرار. وبين تجربتي بوعيده والصباري, يتضح ان السؤال حول نخبه وادنون لا يمكن اختزاله في نجاح تجربه او تعثر اخري, ذلك ان التجارب السياسيه لا تنمو في فراغ, بل داخل مجال تحكمه توازنات معقده وبنيه تقليديه ما تزال تقاوم حضور النخب القادره علي تحويل المعرفه والخبره الي فعل تنموي مؤثر. لذلك, فان النقاش الحقيقي لا ينبغي ان ينحصر في الحكم علي الافراد, بل في التفكير في شروط اصلاح المجال نفسه حتي يصبح قادرا علي انتاج النخب واحتضانها في الان ذاته. وهكذا يبقي سؤالنا المفتوح: كيف يمكن لوادنون ان تنتقل من فضاء يثير الجدل حول النخب الي مجال يسمح ببروز صوت جماعي لنخب المنطقه ونسيجها الاجتماعي المحلي, بما يمكنها من اداء دورها الكامل والواعي والمسؤول في خدمه تنميه وادنون اقليما وجهه?. باحث ومهتم بشؤون جهه كلميم وادنون

اقرأ المقال كاملاً المصدر: لكم
شارك: