قصف “ديمونا” ومعركة السردية

قصف “ديمونا” ومعركة السردية

لم تكن الصواريخ الايرانيه التي تابعها العالم مساء السبت 21 مارس 2026, وهي تسقط في الجنوب الاسرائيلي قرب عراد وديمونا, مجرد حلقه اضافيه في عمليه كر وفر تشهدها كل الحروب, بل كانت لحظه كاشفه في معركه لا تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط, وانما كذلك باللغه والصوره وترتيب الوقائع في الوعي العام اي معركه السرديه. المشهد الذي حاولت اسرائيل والولايات المتحده تسويقه منذ بدايه الهجوم, بوصفه حربا خاطفه لاخضاع ايران وكسر قدرتها علي الرد, تحوّلت الي مشهد دام بمئات المصابين, وعوده اسم ديمونا نفسه الي الواجهه بوصفه عنوانا سياسيا ونفسيا لا يقل خطوره عن اي هدف عسكري مباشر. يملك المعسكر القوي في هذه الحرب, اي الحلف الاسرائيلي-الاميركي, تفوقا هائلا في تعريف ما يجري قبل ان يجري, وفي تسميه الوقائع بعد وقوعها. فهو من يحدد ما اذا كانت الضربه نجاحا ام فشلا, وما اذا كان سقوط الصاروخ قرب منشاه حساسه يعني عجز المهاجم او نجاحه في فرض معادله ردع جديده. هذه افضليه حقيقيه لا يجوز انكارها. لكن ذلك لا يمنع من اعاده ترتيب عناصر المشهد حتي نري ما تحجبه الضوضاء. وما يجري اخفاؤه هنا هو ان ايران لا تتفوق عسكريا, ولا تحقق توازنا ناريا مع اسرائيل والولايات المتحده, ولا تملك اصلا ان تنتصر بالمعني الكلاسيكي للنصر; لكنها تدير الحرب, حتي الان, بعقل استراتيجي يُحسن التمييز بين ما لا تقدر عليه, وما يكفي لافشال مساعي خصومها. ماذا ارادت ايران من اختيار التصويب نحو محيط مفاعل ديمونا النووي تحديدا? الجواب الاقرب الي منطق الحرب هو انها ارادت القول ان المجال الاسرائيلي الذي قُدِّم طويلا بوصفه محصنا وقادرا علي استيعاب كل الضربات, لم يعد كذلك; وان المناطق المتصله باشد الملفات حساسيه, اي الملف النووي, يمكن ادخالها في قلب المعركه النفسيه; وان كلفه استمرار الحرب لن تبقي محصوره في صور الدمار داخل ايران وحدها, ولا في محيطها الخليجي. فاسرائيل, المدعومه بالولايات المتحده, ما تزال صاحبه اليد العليا في الجو, وفي الرصد الفضائي, وفي نوعيه الضربات, وفي القدره علي احداث تاكل مادي سريع في البنيه العسكريه والاقتصاديه الايرانيه. لكن الحروب لا تُحسم دائما عند مستوي التفوق العسكري الخام, بل عند مستوي القدره علي تحويل هذا التفوق الي تسويه سياسيه بشروط المنتصر, وهنا يمكننا اكتشاف الورطه الاسرائيليه-الاميركيه. فبعد اسابيع من الحرب التي بدات صباح يوم 28 فبراير, لم يظهر ان طهران انهارت, ولا ان النظام سقط, ولا ان المجال الايراني صار مفتوحا بلا كلفه, بل علي العكس, نجحت ايران في توسيع مسرح النيران, وارتفعت اسعار الطاقه, وتعقدت حركه الملاحه, واتسعت الاسئله داخل الولايات المتحده نفسها عن جدوي حربٍ لا تبدو لها نهايه. اي ان طهرات لا تلعب لعبه النصر العسكري المباشر, ولا تبحث عن كش ملك, بل تخوض لعبه منع الخصم من قطف ثمار تفوقه, واستدراجه نحو استنزاف قطع الشطرنج قبل الاجهاز علي الخصم. وهذا ما يفسر, مثلا, انتقالها من الرد داخل المسرح الاسرائيلي الي توسيع الاشارات نحو الممرات البحريه والبني التحتيه وقواعد الخصوم البعيده. صحيح ان محاولتها ضرب قاعده دييغو غارسيا البريطانيه لم تنجح, وصحيح ان ذلك يكشف حدودا تقنيه لا يمكن اخفاؤها, لكنه يكشف في الوقت نفسه شيئا اخر, هو ان طهران تريد دفع الحرب الي جغرافيا اوسع من حدودها, وافهام خصومها ان المسافه لم تعد ضمانه, وان القرار بالتصعيد لن يبقي منفصلا عن كلفته علي المصالح الاميركيه والبريطانيه والخليجيه. والورطه الكبري التي نجحت ايران, الي حد بعيد, في جر خصومها اليها ليست عسكريه فقط, بل سياسيه واقتصاديه ايضا. ويكفي ان ننظر الي مضيق هرمز حتي نفهم. فهذا الممر هو مصدر نحو خُمس تجاره النفط والغاز المسال العالميه. واهميه هذه المواد الطاقيه وطبيعه السوق نفسها, تجعل تعطيل هذا الخُمس, او حتي جزء منه, يرفع الاسعار ويسبّب القلق الذي يصبح جزءا من كلفه الحرب. واكثر ما يزعج واشنطن في هذه المرحله, رغم تفوقها العسكري الواضح, انها تخوض حربا لا تحظي بالاجماع حتي داخل البيت الاميركي, بل ان خلافات بدات تظهر داخل المعسكر الترامبي نفسه, بين نزعه انعزاليه وعدت بانهاء الحروب, وواقعٍ يجر الولايات المتحده الي مواجهه اوسع واكثر كلفه. اما داخل اسرائيل, فالمساله اكثر تعقيدا مما توحي به لغه الدعايه الهوجاء. صحيح ان المزاج العام ما يزال مؤيدا للحرب, لكن الضربات المتكرره علي الداخل, والتحقيقات في فشل الاعتراض, وعوده الخوف الي مدن يفترض انها بعيده نسبيا عن قلب الخطر; كلها عوامل تعني ان الزمن لم يعد يعمل لصالح من بدا الهجوم. وهذا ما تراهن عليه طهران, اي ان تُدخل اسرائيل في حرب لا تستطيع معها تحويل التفوق الي راحه, ولا السيطره علي السماء الي تسيّد للمشهد. خلاصه تطوّرات الحرب خلال ايام العيد, ان ايران لا تسحق خصومها بكل تاكيد, وليس صحيحا ايضا انها تتلقي الضربات بلا اي قدره علي اعاده تشكيل ساحه القتال. بل الوصف الاقرب الي الواقع هو ان طهران تخسر كثيرا في الميدان المباشر, لكنها تكسب, الي حد معتبر, في مجال اداره الكلفه والزمن والتشابك الاقليمي. لهذا فان ضربه السبت علي محيط المفاعل النووي الاسرائيلي, يجب ان تُقرا باعتبارها اكثر من خبر عابر. انها تلخيص مكثف لطبيعه هذه الحرب كلها. صاروخ واحد, مهما كبر حجمه, قد لا يحقق الحسم, لكنه يفرض معني وسرديه. ومنشاه حيويه لم تُصب مباشره, لكن ظلّها ضُرب. وخصم متفوق عسكريا, لكنه يجد نفسه مضطرا الي تقاسم الخوف والكلفه والانتظار. في الحروب الحديثه, وخصوصا حين تتشابك القوه بالطاقه, والدعايه بالردع, والسوق بالمعركه قد لا يكون الانتصار هو ان تهزم عدوك ميدانيا, بل ان تمنعه من التصرّف كمنتصر. وهذا بالضبط ما تفعله ايران حتي الان.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: صوت المغرب
شارك: