استقبال رئيسة الحكومة المكلّفة هل نحن أمام ممارسة دستورية جديدة؟

استقبال رئيسة الحكومة المكلّفة هل نحن أمام ممارسة دستورية جديدة؟

اثار استقبال الملك محمد السادس, يوم الاربعاء 14 اكتوبر 2026, لرئيسه الحكومه المكلّفه بتشكيل الحكومه الجديده, فاطمه الزهراء المنصوري, اكثر من سؤال يتجاوز البعد السياسي المرتبط بتقدم مشاورات تشكيل الحكومه, ليطرح اشكالا دستوريا يتعلق بطبيعه هذه المحطه وموقعها ضمن المسار الدستوري لتاليف الحكومه. فالبلاغ الصادر عقب الاستقبال افاد بان رئيسه الحكومه اطلعت الملك علي مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومه, قبل ان يشير الي ان هذا الاستقبال يندرج في اطار الصلاحيات الدستوريه للملك وحرصه علي ضمان حسن سير المؤسسات الدستوريه. وهي صياغه تجعل من المشروع التساؤل عما اذا كنا امام مجرد لقاء فرضته خصوصيه الظرفيه السياسيه, ام امام بدايه تشكل ممارسه دستوريه جديده تؤطر المرحله الفاصله بين تعيين رئيس الحكومه والاعلان عن تشكيل الحكومه. اولا: مرحله بين تعيين رئيس الحكومه وتشكيلها لم يفصل الدستور في تنظيمها يحدد الفصل 47 من الدستور المراحل الاساسيه المرتبطه بتكوين السلطه التنفيذيه; فالملك يعين رئيس الحكومه من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات اعضاء مجلس النواب وعلي اساس نتائجها, كما يعين اعضاء الحكومه باقتراح من رئيسها. غير ان الفصل نفسه لا ينظم بتفصيل المرحله الواقعه بين هاتين اللحظتين. فلا يحدد اجلاً لتشكيل الحكومه, ولا يبين الكيفيه التي تدبر بها المشاورات, ولا ينص علي محطات مؤسساتيه مرحليه بين التكليف واقتراح اعضاء الحكومه. وهو ما يجعل هذه الفتره من اكثر مراحل تشكيل السلطه التنفيذيه اعتمادا علي الممارسه السياسيه والدستوريه. لقد ظهر اثر هذا الصمت بوضوح خلال تجربه تشكيل حكومه 2016, حين استمرت المشاورات اكثر من خمسه اشهر قبل الوصول الي حاله انسداد سياسي انتهت بتعيين شخصيه اخري من الحزب المتصدر للانتخابات. وذكر بلاغ الديوان الملكي الصادر في 15 مارس 2017 انذاك ان الملك سبق ان حث رئيس الحكومه المعين «عده مرات» علي تسريع تكوين الحكومه, قبل ان يتم التدخل لتجاوز وضعيه الجمود. لكن ما وقع في اكتوبر 2026 يبدو مختلفا من حيث التوقيت والطبيعه. فلا توجد, علي الاقل الي حدود صدور البلاغ, حاله انسداد معلنه, كما ان رئيسه الحكومه اعلنت قبل يومين فقط التوصل الي توافق بشان مكونات الاغلبيه الحكوميه. ومن ثم, فان الاستقبال لا ياتي لمعالجه فشل في تشكيل الحكومه, وانما خلال سير المسار نفسه. ومن هذه الزاويه, قد تكون دلاله هذا الاستقبال في كونه ينقل النقاش من لحظه معالجه التعثر, كما حصل في 2017, الي لحظه مواكبه مسار التشكيل قبل بلوغه مرحله الانسداد. ثانيا: بين الفصلين 42 و47, من ضمان حسن سير المؤسسات الي مواكبه مسار التشكيل لفهم هذا الاستقبال, قد لا يكون الفصل 47 وحده كافيا, فالبلاغ استخدم تعبير ضمان حسن سير المؤسسات الدستوريه, وهي عباره تحيل بوضوح الي الوظيفه التي يسندها الفصل 42 من الدستور للملك باعتباره رئيس الدوله والساهر علي احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستوريه. وبذلك يمكن قراءه الحدث من خلال التكامل بين فصلين: الفصل 47 الذي يؤطر تعيين رئيس الحكومه وتعيين اعضائها, والفصل 42 الذي يؤطر وظيفه ضمان انتظام المؤسسات واستمراريتها. ولا تكمن اهميه هذا الربط في منح اختصاص جديد غير منصوص عليه, وانما في تفسير كيفيه ممارسه الاختصاصات الموجوده اصلا عندما تصبح عمليه تشكيل الحكومه مرتبطه بانتظام عمل المؤسسات الاخري. وهذا الامر يكتسي اهميه خاصه في الظرفيه الحاليه, حيث انطلقت الولايه التشريعيه الجديده و انتخب مجلس النواب رئيسه وشكل هياكله, في الوقت الذي لم يتم فيه بعد تعيين الحكومه الجديده, فضلا عن قرب الاستحقاقات المرتبطه بالقانون المالي. وهنا تظهر احدي الدلالات الدستوريه المهمه للواقعه, ففي تجربه 2017, برز تدخل المؤسسه الملكيه بعد استنفاد مده طويله من المشاورات ووصولها الي وضعيه جمود واضحه. اما في 2026 فان الاستقبال يتم اثناء عمليه تشكيل الحكومه, وقبل الاعلان عن وجود اي تعثر مؤسساتي. وهو ما يسمح بطرح فرضيه انتقال وظيفه ضمان حسن سير المؤسسات, في هذا المجال, من معالجه ازمه بعد وقوعها الي نوع من المواكبه المؤسساتيه الاستباقيه لمسار تشكيل الحكومه. غير ان هذه المواكبه لا ينبغي ان تفهم باعتبارها انتقالا لسلطه تشكيل الاغلبيه من رئيس الحكومه الي المؤسسه الملكيه. فالبلاغ نفسه يحافظ علي هذا التمييز: رئيسه الحكومه هي التي تدبر مسار التشكيل, وهي التي اطلعت الملك علي مراحله. ومن ثم يظل التحدي الدستوري قائما في الحفاظ علي التمييز بين المتابعه المؤسساتيه لمسار التاليف وبين التدخل في مضمون المشاورات الحزبيه او هندسه الاغلبيه. والبلاغ الصادر في 14 اكتوبر يحافظ, من حيث صياغته علي الاقل, علي هذا الحد; فهو لا يتحدث عن توجيه بشان تركيبه الاغلبيه ولا عن اسماء الوزراء, وانما عن اطلاع الملك علي المراحل التي قطعها مسار التشكيل. ثالثا: هل نحن امام ممارسه ظرفيه ام بدايه تقليد دستوري جديد? قد يكون من السابق لاوانه وصف ما وقع بانه عرف دستوري. فالعرف الدستوري لا ينشا عاده من واقعه واحده, وانما يفترض تكرار ممارسه معينه واستقرارها, واقتران ذلك بقبولها باعتبارها قاعده منظمه للسلوك المؤسساتي. لذلك فان الوصف الادق حاليا هو الحديث عن سابقه او ممارسه دستوريه قد تكتسب مستقبلا اهميه اكبر اذا تكررت في تجارب تشكيل الحكومات اللاحقه. فاذا اصبح من المعتاد ان يعرض رئيس الحكومه المكلّف, في مرحله معينه من المشاورات, تقدم عمليه تشكيل الحكومه علي الملك, فقد نكون امام ظهور محطه دستوريه غير مكتوبه بين التكليف والتشكيل النهائي. وبعباره اخري, قد يصبح المسار عمليا علي الشكل التالي: تعيين رئيس الحكومه, ثم اجراء المشاورات, ثم محطه لاطلاع الملك علي تقدم عمليه التاليف, قبل الانتقال الي اقتراح اعضاء الحكومه وتعيينهم. ومثل هذه الممارسات لا تعدل النص الدستوري, لكنها قد تسهم في تفسيره وسد المساحات التي تركها مفتوحه. كما ان هذه الممارسه, اذا استقرت, قد تؤدي الي ظهور نوع من الضبط غير المكتوب لزمن تشكيل الحكومه. فالدستور لا يحدد اجلا صريحا لتشكيل الحكومه, وقد بينت تجربه 2016-2017 ان غياب هذا الاجل يمكن ان يجعل المرحله مفتوحه زمنيا الي حد يؤثر علي السير العادي للمؤسسات. ومن هذه الزاويه, قد تكرس محطه اطلاع الملك رسميا علي تقدم المشاورات, فكره ان مده تشكيل الحكومه ليست زمنا سياسيا مفتوحا بشكل مطلق, وان رئيس الحكومه المكلّف يتحمل مسؤوليه مؤسساتيه عن تقدم هذا المسار في اجل معقول. ومع ذلك, لا تسمح واقعه 14 اكتوبر وحدها بالحديث عن تحول في قواعد تشكيل الحكومه, كما سيكون من المتسرع اعتبارها عرفا دستوريا مكتمل العناصر. لكن اهميتها تكمن في انها تطرح لاول مره بهذه الصيغه العلنيه سؤال المرحله الواقعه بين التكليف والتشكيل, وهي مرحله تعتبر من البياضات في ظل دستور 2011. وقد تكون التجربه المغربيه بصدد الانتقال من معالجه هذا الفراغ فقط عندما يؤدي الي ازمه, كما حدث سنه 2017, الي بناء ممارسه مؤسساتيه تواكب مسار التاليف قبل وصوله الي مرحله التعثر. وهنا ربما تكمن الدلاله الابعد للاستقبال: هل نحن امام مجرد واقعه مرتبطه بخصوصيه تشكيل حكومه 2026, ام امام بدايه تشكل تقليد دستوري جديد يجعل اطلاع الملك علي تقدم مسار التاليف محطه ضمن الممارسه الدستوريه المغربيه? الجواب لا يمكن حسمه اليوم, لان الاعراف والممارسات الدستوريه لا تولد بقرار, وانما تصنعها السوابق وتكرسها الممارسه. لكن ما وقع اليوم, قد يكون سابقه تستحق ان تحفظ في ذاكره الممارسه الدستوريه المغربيه, وان يعود اليها الباحثون عند تشكيل الحكومات المقبله. ياسين بويركل باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسيه

اقرأ المقال كاملاً المصدر: صوت المغرب
شارك: