اثار الاعلان عن نتائج اقتراع 23 شتنبر, العديد من النقاشات السياسيه حول دلالات الترتيب الذي كشفت عنه النتائج, فقد تصدر ب97 مقعدا, وتراجع الي 66, وحافظ الاستقلال علي 65, وعاد العداله والتنميه ب54 مقعدا, لكن خلف هذا الترتيب هناك سؤال اخر لا يقل اهميه, ونادرا ما نطرحه وهو: كيف تتحول اصوات المغاربه الي مقاعد بعد اعتماد القاسم الانتخابي الجديد? ان الجواب عن هذا السؤال سيكشف اننا -بكل بساطه- امام برلمان من نوع خاص, يمكن ان نسميه بدون مبالغه: برلمان اكبر البقايا. فمنذ تعديل 2021, اصبح القاسم الانتخابي يحتسب بقسمه عدد المسجلين في اللوائح الانتخابيه علي عدد المقاعد, لا بقسمه الاصوات الصحيحه كما كان الامر من قبل, لكن ماذا يحدث حين نطبق هذا القاسم في بلد لا يصوت فيه الا 38 في المائه من المسجلين? يحدث ببساطه ان لا احد يمكنه تحقيق القاسم الانتخابي الجديد, ففي 91 دائره محليه من اصل 92, لم تتمكن اي لائحه من الوصول الي تحقيق القاسم الانتخابي, الاستثناء الوحيد هو دائره العيون, حيث فاقت المشاركه نسبه 80 في المائه حيث حققت لائحه القاسم الانتخابي بصعوبه, اما في باقي الدوائر فلم تحصل اللائحه المتصدره الا علي نحو ربع القاسم. كما تم تسجيل الاستثناء الوحيد علي مستوي اللوائح الجهويه في اللائحه الجهويه للنساء بجهه العيون حيث حصل حزب الاستقلال علي مقعدين. واذا علمنا ان جميع اللوائح المتنافسه لم تحقق القاسم الانتخابي, فان كل المقاعد جري توزيعها باكبر البقايا, والبقيه هنا هي كل الاصوات, مادام لا احد تمكن من الوصول الي القاسم الانتخابي, فتتحول العمليه الي ترتيب للوائح اكثر من اي شيء اخر, فاذا كانت الدائره تشتمل علي اربعه 4 مقاعد, فان اللوائح الاربع الاولي تستفيد من مقعد لكل واحده ويتم ترتيبها حسب عدد الاصوات المحصل عليها كيفما كان الفارق بينها, وهكذا في جميع الدوائر. لذا سنجد ان المقاعد المحليه ال305 ذهبت الي 305 لوائح مختلفه, ولم تحصل اي لائحه محليه علي مقعدين, رغم ما يمكن ان يحققه الحزب الاول من اصوات بفارق كبير عن الحزب الثاني, ففي دائره طنجه اصيله مثلا, حصلت لائحه العداله والتنميه علي 25.886 صوتا, اي اكثر من ثلاثه اضعاف اخر لائحه فائزه لحزب التجمع الوطني للاحرار والتي حصلت علي 7.199 صوتا, ومع ذلك نالت مقعدا واحدا مثلها تماما. في دائره الجديده مثلا حصلت لائحه حزب الاستقلال علي 38.630 صوتا, ولائحه التجمع الوطني للاحرار علي 10.520 صوتا, ونالت كل واحده منهما مقعدا واحدا, وفي دائره بني ملال حيث يجري التنافس علي ست 6 مقاعد, لم تقترب اي لائحه من القاسم الانتخابي, فجري توزيع المقاعد بالترتيب علي اللوائح الست الاولي, وهكذا نالت لائحه حزب الاستقلال مقعدا واحدا باكثر من 21 الف صوت, تماما كلائحه تحالف اليسار التي لم تتجاوز 5.188 صوتا, اي اقل من ناخب واحد من كل 50 مسجلا. والمفارقه ان الاوراق الملغاه في هذه الدائره بلغ (22.082) حيث فاقت اصوات اللائحه المتصدره نفسها. وهكذا نلاحظ ان الناخب الذي يمنح صوته للائحه قويه لا يضيف لها شيئا بعد ان تضمن مقعدها, اذ لم يعد عدد الاصوات هو الذي يحدد عدد المقاعد, بل ترتيب اللائحه وهذا هو جوهر برلمان البقايا. طبعا حين نورد هذه الامثله فان الامر لا يتعلق بالطعن في صحه انتخاب النواب ولكن للكشف عن اختلالات النظام الانتخابي وطرح سؤال مشروع حول قوه التفويض الذي يحمله النائب الذي منحه الناخبون عددا قليلا من الاصوات. والوجه الاخر لغياب العداله التوزيعيه في الاصوات الناتج عن القاسم الانتخابي ان 1.572.835 صوتا صحيحا, اي 32,1 في المائه من الاصوات المعبر عنها في الاقتراع المحلي, ذهبت الي لوائح لم تحصل علي اي مقعد. فثلث الناخبين الذين اختاروا فعلا لا يجدون من صوتوا له في البرلمان, وتكتمل الصوره حين نضيف اكثر من مليون ورقه ملغاه, فالعدد الاكبر من المغاربه الذين توجهوا الي مكاتب التصويت, لم يجدوا اثرا لاصواتهم في المؤسسه التي انتخبوها. الورقه الملغاه. الحزب الاول الذي لا يحتسب ثمه رقم اخر يستحق ان نتوقف عنده, فانطلاقا من الارقام المعلن عنها من طرف وزاره الداخليه فان حوالي 6 ملايين مغربي توجهوا لصناديق الاقتراع, لكن ازيد من مليون و122 الف ورقه كانت ملغاه في الاقتراع المحلي, وازيد من مليون و178 الفا في الاقتراع الجهوي. وفي الورقتين معا, يفوق عدد الاوراق الملغاه مجموع الاصوات التي حصل عليها الحزب المتصدر بنحو 185 الف صوت. ولا تتركز هذه الاوراق في البوادي, حيث نسبه الاميه مرتفعه, بل في المدن الكبري, ففي دوائر سيدي يوسف بن علي بمراكش, وفي وجده, ومديونه, وعين السبع والحي المحمدي, وفاس, تجاوزت نسبه الاوراق الملغاه ربع المصوتين, بمعني ان هؤلاء الناخبين اختاروا عن قناعه ان يتنقلوا الي مكاتب التصويت, ثم وضعوا ورقه لا تختار احدا, انها رساله رفض من داخل المؤسسه, لا يمنحها النظام الانتخابي اي اثر. طبعا ليس الغرض اليوم التشكيك في النتائج ولا في نزاهه الاقتراع, بل بطرح سؤال جوهري اي برلمان نريد? برلمان يعكس قوه الاحزاب في المجتمع, ام برلمان يوزع المقاعد بالترتيب ويضمن حضور الجميع علي حساب وضوح التفويض, فالمشروعيه لا تبني بسلامه الاجراءات وحدها, بل ايضا بقدره المواطن علي ان يري صوته في البرلمان الذي انتخبه, وحين تصنع البقايا اغلب المقاعد, ويصبح الصوت الملغي اكبر من اي حزب, فهذه اشاره ينبغي ان نقراها بجديه, قبل ان يتحول الذين الغوا اصواتهم اليوم الي مقاطعين غدا. امامنا سنه تقريبا قبل الانتخابات الجماعيه وخمس سنوات قبل الاستحقاق المقبل, وهي فرصه لفتح نقاش عمومي جاد حول اساس احتساب القاسم الانتخابي, بالارقام والمحاكاه لا بالمواقف المسبقه. والمطلوب ايضا تحيين التقطيع الانتخابي الذي لم يتغير منذ 2011, والتسجيل التلقائي في اللوائح, ونشر محاضر كل مكاتب التصويت, وكل ذلك يجب ان يتم بتوافق واسع وفي وقت مبكر, لا عشيه الانتخابات.
برلمان أكبر البقايا
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: صوت المغرب