"تيك توك" يشعل مبيعات "الليالي البيضاء" دوستويفسكي يفتن "جيل زد"

"تيك توك" يشعل مبيعات "الليالي البيضاء" دوستويفسكي يفتن "جيل زد"

اعادت منصه تيك توك روايه الليالي البيضاء للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي الي واجهه الاهتمام, بعدما تحولت خلال الاشهر الاخيره الي واحده من اكثر الاعمال الكلاسيكيه تداولاً بين قراء الجيل Z, وسجلت مبيعات مرتفعه في البرازيل ودول اوروبيه, في ظاهره اعادت طرح سؤال قديم بصيغه جديده: كيف يمكن لمنصه تقوم علي المقاطع القصيره ان تدفع شباباً الي قراءه نص ادبي كتب قبل نحو 180 عاماً? القصه بدات بالنسبه الي مارسيلو نوغيرا, وهو مؤثر برازيلي يبلغ من العمر 27 عاماً ويتابعه نحو 13 الف شخص علي تيك توك, من غلاف لافت لروايه لم يكن يعرف عنها الكثير. نوغيرا لا يقدم نفسه باعتباره قارئاً متمرساً في الادب الكلاسيكي, غير ان الليالي البيضاء جذبته, ثم اكتشف ان العمل نفسه تحول الي ماده تتكرر في مقاطع القراءه والمراجعات والانطباعات داخل المنصه. الروايه هي من الاعمال المبكره لدوستويفسكي, وتدور حول شاب حالم يتجول في شوارع سان بطرسبورغ ويعيش في عالمه الداخلي اكثر مما يعيش في الواقع, قبل ان يلتقي امراه شابه تنقل حياته خلال اربع ليال وصباح واحد من العزله الي التعلق, ومن الاحلام الي تجربه حب قصيره ومكثفه. قفزه في المبيعات ورغم ان الروايه صدرت في القرن التاسع عشر, فان حضورها الجديد لا ياتي من المدارس او الجامعات او برامج القراءه التقليديه, وانما من فضاء رقمي يقوم علي التفاعل السريع, حيث يتم تداول الكتب عبر صور الاغلفه والاقتباسات والمقاطع العاطفيه القصيره. هذا الانتشار انعكس مباشره علي سوق النشر. دار Editora 34 البرازيليه افادت وكاله فرانس برس بان مبيعات الليالي البيضاء ارتفعت بنسبه 463 في المائه مقارنه بالعام السابق, وهي قفزه لافته بالنسبه الي عمل كلاسيكي ظل اقل شهره لدي الجمهور الواسع من اعمال دوستويفسكي الكبري, مثل الجريمه والعقاب. الروايه لم تحقق رواجاً داخل البرازيل وحدها, فقد شهدت بدورها اقبالاً في المملكه المتحده واسبانيا, وهو ما يعكس قدره التوصيات المتداوله علي المنصات الاجتماعيه علي تجاوز الحدود المحليه وتحويل عنوان ادبي قديم الي ظاهره عابره للاسواق. الحالم الوحيد يجذب الجيل Z نوغيرا يري ان سر النجاح يرتبط اساساً بشخصيه الحالم الوحيد. في تقديره, يجد كثير من الشباب انفسهم داخل هذه الشخصيه, لان الروايه تضع في مركزها انساناً يعيش الوحده, ويبحث عن علاقه عاطفيه وعن شعور بالانتماء الي حياه لا تكون داخل راسه فقط. هذا الجانب يبدو قريباً من طبيعه المحتوي الذي يلقي رواجاً بين جمهور تيك توك, حيث تحظي القصص التي تدور حول الحب غير المكتمل والعلاقات القصيره والشخصيات المنعزله بتفاعل واسع. وتتميز الليالي البيضاء ايضاً بقصرها مقارنه باعمال دوستويفسكي الاخري, وهو عامل ساعد علي انتشارها بين جمهور لا يميل بالضروره الي خوض تجربه قراءه طويله منذ البدايه. النص سريع ومركز, ويصل الي ذروته العاطفيه في مساحه محدوده. واحده من اكثر جمل الروايه تداولاً علي شبكات التواصل هي تلك التي يتساءل فيها الراوي: يا الهي, دقيقه كامله من السعاده, اهي حقاً قليله علي حياه انسان باكملها?, وهي عباره تحولت الي اقتباس يتكرر في الفيديوهات والصور والتعليقات. داخل مجتمع BookTok, المخصص للكتب والقراءه علي تيك توك, تظهر عشرات الالاف من التعليقات التي تكشف حجم التفاعل. احدي المستخدمات وصفت الروايه بانها الحياه الحقيقيه مكتوبه بطريقه شاعريه, بينما عبر مستخدمون اخرون عن شعورهم بانهم وجدوا انفسهم داخل شخصيه الراوي اكثر مما كانوا يتوقعون. بالوما ليما, وهي مؤثره برازيليه تبلغ من العمر 29 عاماً وتهتم بالادب الروسي, قالت ان عدداً من مستخدمي تيك توك وصلوا الي قناتها علي يوتيوب بعد قراءه الليالي البيضاء, معتبره ان هذا الاقبال مفهوم لان الكتاب قصير ومكثف. من تيك توك الي الجريمه والعقاب في روسيا, بدا المشهد مختلفاً. الكاتبه ايكاترينا كفيتكو, البالغه من العمر 28 عاماً, قالت خلال معرض موسكو للكتاب ان الشباب الروس لا يظهرون الحماسه نفسها تجاه الروايه. وترجح كفيتكو ان يكون احد اسباب انتشارها خارج روسيا مرتبطاً بموضوع الوحده, موضحه ان الروايه تقدم بطلاً يبحث عن الحب وعن شخص يستند اليه, وهو ما قد يجد صدي لدي بعض الشباب في المجتمعات الغربيه. النجاح لم يتوقف عند الليالي البيضاء. بحسب دار Editora 34, بدات الروايه تؤدي دور بوابه الي اعمال اكثر تعقيداً لدوستويفسكي, وخصوصاً الجريمه والعقاب. دانيلو هورا, من دار النشر البرازيليه, وصف الظاهره بانها غير متوقعه, مشيراً الي ان مبيعات الجريمه والعقاب ارتفعت بنسبه 53 في المائه خلال الاشهر السبعه الاولي من العام. هذا التطور يكشف ان القراءه القصيره قد تكون مدخلاً الي اعمال اطول, اذ يبدا القارئ بكتاب لا يتجاوز في بعض الطبعات مائه صفحه, ثم ينتقل الي روايه اكثر تعقيداً من حيث البناء والشخصيات والاسئله الاخلاقيه والنفسيه. وتاتي هذه الظاهره في وقت تتعرض فيه منصات الفيديو القصير لانتقادات مستمره بسبب تاثيرها المفترض في التركيز وفي قدره المستخدمين علي الاستمرار في قراءه نصوص طويله, غير ان تجربه الليالي البيضاء تقدم صوره مغايره, اذ تحولت المنصه نفسها الي اداه ترويج للادب الكلاسيكي. الكتاب الورقي يعود الي الواجهه المساله لا تتعلق بالمحتوي وحده, فصوره القارئ نفسها باتت جزءاً من الظاهره. نوغيرا يري ان ان تكون قارئاً فكره جميله جداً ويمكن حتي تسويقها, مشيراً الي ان هناك جماليه مرتبطه بالقراءه تنتشر علي تيك توك. هذه الجماليه تظهر في صور رفوف الكتب والمقاهي والاضاءه والاغلفه الملونه وطريقه حمل النسخ الورقيه وتصويرها, وهو ما يجعل الكتاب منتجاً بصرياً بقدر ما هو نص للقراءه. نوغيرا استخدم في احد مقاطعه نسخه من الليالي البيضاء ذات غلاف ملون باسلوب البوب ارت, يظهر عليه زوجان يتبادلان قبله, وقد نفدت هذه الطبعه من عدد من مكتبات ريو دي جانيرو. ويري المؤثر البرازيلي ان نسخه ورقيه ذات غلاف جذاب تلفت الانتباه علي المنصه اكثر من جهاز قراءه الكتروني مثل كيندل, وهي ملاحظه تكشف تاثير الشكل في قرارات الشراء لدي جمهور يتعامل مع الكتاب داخل بيئه تقوم اساساً علي الصوره. بين النقد الادبي والتسويق هذا الجانب التجاري يثير نقاشاً حول طبيعه ما يقدم علي شبكات التواصل بوصفه محتوي ثقافياً او نقداً ادبياً. سيسيليا روساس, الباحثه والمترجمه البرازيليه المتخصصه في الادب الروسي, رحبت بالاهتمام الجديد بالكلاسيكيات, لكنها شددت علي ضروره التمييز بين النقد الادبي وبين ما يقدم في بعض الحالات علي انه مراجعه للكتاب بينما يكون اقرب الي الاعلان. الملاحظه تكتسب اهميه مع اتساع اثر المؤثرين في السوق, اذ يمكن لمقطع قصير ان يرفع مبيعات كتاب بصوره كبيره, فيما يظل مستوي النقاش حول العمل مختلفاً من مستخدم الي اخر, بين قراءه نقديه فعليه وانطباع شخصي واقتباس عاطفي وتوصيه تجاريه. ومع ذلك, فان النتيجه في حاله الليالي البيضاء واضحه, اذ عادت روايه قديمه الي الواجهه, ووجدت جمهوراً جديداً, ودفعت قراء شباناً الي اكتشاف دوستويفسكي من بوابه لم تكن متوقعه. الظاهره تعكس ايضاً تحولاً في صناعه التوصيه الثقافيه. في السابق, كانت المراجعه الصحافيه او الجائزه الادبيه او المؤسسه التعليميه تلعب دوراً كبيراً في توجيه القراء, اما اليوم فقد يكون فيديو لا يتجاوز دقيقه واحده كافياً لتغيير مسار كتاب في السوق. وبين شوارع سان بطرسبورغ في القرن التاسع عشر وهواتف الجيل Z في القرن الحادي والعشرين, وجد الحالم الوحيد حياه جديده, وبقيت موضوعات الوحده والحب والانتظار والخيبه قادره علي تجاوز الزمن, حتي عندما تتغير الوسائط ويتغير شكل الوصول الي القراءه.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: هسبريس
شارك: