تجد فرنسا نفسها امام واحده من اصعب مراحل علاقاتها بالقاره الافريقيه, بعدما تعرض نفوذها التقليدي خلال السنوات الاخيره لهزات متتاليه, بفعل صعود نخب سياسيه جديده, وتنامي الرفض الشعبي للوجود الفرنسي, وخروج القوات الفرنسيه من عدد من دول الساحل, فضلاً عن احتدام المنافسه الدوليه علي النفوذ داخل القاره. يري ادريس لكريني, استاذ العلاقات الدوليه ومدير مختبر الدراسات الدوليه والدستوريه وتحليل الازمات والسياسات, ان افريقيا تعيش مفارقه لافته; فهي تتوفر علي مقومات مهمه, من حيث المساحه والسكان والتنوع الثقافي والجغرافي والثروات المعدنيه والطبيعيه, لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلات وتحديات متعدده جعلتها محط تنافس بين قوي دوليه كبري. وفي دراسه منشوره بموقع تريندز للبحوث, يوضح لكريني ان فرنسا عملت لعقود علي تعزيز حضورها داخل افريقيا عبر مجموعه من الاليات, شملت الوجود العسكري والحضور الاقتصادي والمالي, فضلاً عن المدخل الثقافي واللغوي, غير ان التحولات التي عرفتها القاره جعلت باريس امام ضروره مراجعه سياساتها تجاه دولها. ارث استعماري يثقل العلاقات وبحسب الباحث ذاته, فان جزءاً من معاناه عدد من البلدان الافريقيه يرتبط بارث الاستعمار, الذي لم يقتصر علي نهب الموارد وترك مشكلات حدوديه, بل امتد, بعد الاستقلال, الي تكريس اشكال مختلفه من التبعيه الاقتصاديه والسياسيه والامنيه. ويشير لكريني الي ان فرنسا, رغم مغادرتها مستعمراتها السابقه عسكرياً, واصلت توظيف اليات متعدده للحفاظ علي نفوذها, بعدما استعمرت ما يقارب 22 دوله افريقيه واستغلت مواردها وثرواتها لبناء قوتها الاقتصاديه والعسكريه. ويربط الباحث بين استمرار هذه السياسات وبين ارتفاع الكلفه الاستراتيجيه والاقتصاديه التي اصبحت فرنسا تتحملها داخل القاره, خصوصاً انها واصلت, علي مدي عقود, اعتماد مقاربات تقليديه لم تضع دائماً في الحسبان التحولات السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه التي شهدتها افريقيا. وفي هذا السياق, يوضح ان النفوذ الفرنسي قام علي ركائز اساسيه, من بينها العلاقات مع النخب السياسيه الحاكمه, والوجود والتدخل العسكري, والهيمنه الاقتصاديه, فضلاً عن التغلغل الاجتماعي والثقافي. ويضيف ان هذه الركائز مكنت باريس, علي مدي سته عقود, من الحفاظ علي حضور قوي في عدد من البلدان الافريقيه, اذ اعتمدت علي اتفاقيات امنيه وعسكريه, وعلي الفرنك الافريقي, وعلي نشاط الشركات الفرنسيه الكبري, الي جانب الفرانكوفونيه كاداه لتعزيز الحضور الثقافي واللغوي. نخب جديده تقلب المعادله غير ان هذه المعادله بدات تتغير, وفق لكريني, مع وصول نخب سياسيه جديده الي الحكم عبر الانتخابات, او من خلال انقلابات عسكريه رفعت شعارات التخلص من الهيمنه السياسيه والامنيه والاقتصاديه والثقافيه الفرنسيه. ويشير الباحث الي ان بعض الدول الافريقيه اتجهت كذلك الي الانسحاب من اطر اقليميه كانت فرنسا تتمتع فيها بنفوذ مهم, بينما بدا الانفتاح علي لغات دوليه اخري, خصوصاً الانجليزيه, علي حساب الحضور التقليدي للفرنسيه. وعسكرياً, يبرز لكريني اعلان عدد من الدول, مثل السنغال وتشاد ومالي, وقف تعاونها العسكري مع فرنسا, الي جانب انسحاب القوات الفرنسيه من دول اخري في منطقه الساحل. ولا يقتصر الامر, بحسب الدراسه, علي النخب السياسيه, اذ ظهر جيل جديد من الشباب الافريقي اكثر جراه في التعبير عن رفض النفوذ الفرنسي, من خلال المظاهرات والاحتجاجات الشعبيه. ويربط لكريني هذا التحول ايضاً بما يعتبره فشلاً فرنسياً في مكافحه الارهاب وتعزيز الامن في عدد من مناطق القاره, في ظل استمرار تدهور الاوضاع الامنيه والاجتماعيه, وارتفاع معدلات الفقر والبطاله, وانتشار شبكات التهريب وتمدد الجماعات المسلحه. الاقتصاد والفرنك الافريقي في قلب الصراع اقتصادياً, يلفت الباحث الي تنامي الرفض الافريقي لهيمنه الشركات الفرنسيه علي الموارد الطبيعيه والطاقيه, بالتزامن مع تصاعد الدعوات الي التخلص من الفرنك الافريقي, باعتباره احدي الادوات التي كرست النفوذ الاقتصادي الفرنسي داخل القاره. وفي المقابل, يلاحظ تنامي توجه عدد من الدول الافريقيه نحو بناء شراكات استراتيجيه مع قوي دوليه اخري, من بينها الصين وروسيا واليابان, مستفيده من كون هذه القوي لا تحمل, بالدرجه نفسها, ارثاً استعمارياً مباشراً في المنطقه. ويعتبر لكريني ان السياسات الفرنسيه الاقتصاديه لم تكن دائماً متوازنه, مشيراً الي استغلال الشركات الفرنسيه للثروات الطبيعيه الافريقيه, من اليورانيوم والذهب الي النفط والغاز, عبر اتفاقيات يري انها غالباً ما كانت تصب في مصلحه باريس. اما علي المستوي الثقافي, فيبرز الباحث الدور الذي ادته الفرانكوفونيه في الحفاظ علي النفوذ الفرنسي, من خلال نشر اللغه الفرنسيه وتعزيز حضورها داخل المجتمعات الافريقيه. التدخلات العسكريه تزيد ازمه الثقه وفي الجانب الامني, ينتقد لكريني تركيز فرنسا علي المقاربات العسكريه والامنيه, مقابل تراجع الاهتمام بالمقاربات المرتبطه بالتنميه والبني التحتيه وتدبير الازمات. ويستحضر في هذا الاطار التدخل الفرنسي في ليبيا سنه 2011, معتبراً انه اسهم في ارباك الاوضاع داخل البلد المغاربي وفتح المجال امام مزيد من التدخلات الاجنبيه وتمدد الجماعات المسلحه. كما يشير الي ان السياسه الفرنسيه تجاه الانقلابات العسكريه لم تكن دائماً متسقه, مستحضراً حالات مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد والغابون, وهو ما اسهم, بحسب قراءته, في تعميق الانتقادات الموجهه الي باريس. ويري الباحث ان مجموع هذه العوامل ادي الي نشوء ازمه ثقه حقيقيه بشان الادوار الامنيه الفرنسيه, خصوصاً في ظل عدم تمكن التدخلات العسكريه من تحقيق الامن والاستقرار والتنميه المنشوده في عدد من البلدان. منافسون جدد علي الساحه الافريقيه بالتوازي مع ذلك, اصبحت فرنسا تواجه منافسه دوليه متزايده داخل القاره, اذ لم تعد الساحه الافريقيه حكراً علي القوي الغربيه التقليديه. ويلفت لكريني الي تنامي حضور الصين والولايات المتحده واليابان وروسيا وتركيا والبرازيل, فضلاً عن تطور التعاون جنوب جنوب, وظهور توجه افريقي متزايد نحو بناء شراكات تقوم علي التكافؤ والمصالح المشتركه. ومن هذا المنطلق, يعتبر الباحث ان تراجع النفوذ الفرنسي لا يرتبط فقط بما وصفه بخطايا السياسات الفرنسيه, وانما ايضاً بتحول افريقيا نفسها, وبكثره القوي التي اصبحت تقدم عروضاً وشراكات بديله للدول الافريقيه. ماكرون امام اختبار افريقي جديد وامام هذه التطورات, باتت باريس مطالبه, وفق الدراسه, باعاده ترتيب اوراقها وحساباتها في القاره. ومنذ وصول ايمانويل ماكرون الي الرئاسه الفرنسيه سنه 2017, يلاحظ لكريني ان العلاقات الفرنسيه الافريقيه عرفت تدهوراً لافتاً, في ظل استمرار سياسات اعتبرها غير متوازنه, وهو ما دفع عدداً من النخب الاكاديميه والاقتصاديه والحزبيه الفرنسيه الي التحذير من كلفه الاستمرار في النهج التقليدي. وفي خطوه تعكس, بحسب الباحث, ادراك باريس لحجم التحولات التي تعرفها افريقيا, قام ماكرون بزياره الي كينيا في ماي 2026, حيث تراس, الي جانب الرئيس الكيني وليام روتو, قمه افريقيا الي الامام في نيروبي. ويقرا لكريني اختيار كينيا, باعتبارها دوله انغلوفونيه, لاستضافه القمه باعتباره اشاره الي رغبه فرنسا في توسيع حضورها خارج فضائها الفرانكوفوني التقليدي والانفتاح علي مناطق جديده من القاره. كما يربط هذه الخطوه بالتنافس الدولي المتزايد علي القاره, وبالمطالب الافريقيه المتصاعده ببناء علاقات اكثر توازناً مع القوي الخارجيه, تقوم علي منطق رابح رابح. الاقتصاد بوابه باريس الجديده وفي مواجهه التمدد الاقتصادي الصيني والروسي, تراهن فرنسا, وفق الباحث, علي الاقتصاد والاستثمار كمدخل جديد للحفاظ علي حضورها الافريقي. وفي هذا الاطار, تعهد ماكرون خلال قمه نيروبي باستثمارات مهمه تناهز 23 مليار يورو, موجهه الي عدد من المشاريع الحيويه, خصوصاً في مجالات الزراعه والتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي. كما تناولت القمه قضايا مرتبطه باصلاح المنظومه الماليه الدوليه وتخفيف اعباء الديون عن الدول الافريقيه, الي جانب دعم الشركات الناشئه وتمكين الدول الافريقيه من استعاده قطعها التاريخيه التي نُهبت خلال فتره الاستعمار. وتسعي فرنسا, بالتوازي مع ذلك, الي بناء تحالفات امنيه جديده داخل مناطق افريقيه اكثر استقراراً, فضلاً عن تعزيز التعاون المرتبط بحمايه الممرات البحريه التجاريه في المحيط الهندي والقرن الافريقي. ماذا تريد افريقيا وماذا تريد فرنسا? وتتقاطع المصالح الفرنسيه والافريقيه في عدد من الملفات, لكنها لا تتطابق بالضروره. فالدول الافريقيه تطمح الي شراكات متكافئه, وتجاوز الارث الاستعماري, ونقل التكنولوجيا, وخلق فرص الشغل, وجذب الاستثمارات, وتخفيف اعباء الديون, وتعزيز الامن الغذائي والطاقي. اما فرنسا فتسعي, في المقابل, الي تجاوز عزلتها, والولوج الي اسواق جديده, ومواجهه المد الاقتصادي الصيني والروسي, وحمايه مصالحها الاستراتيجيه, ومكافحه الهجره غير النظاميه, وابرام اتفاقيات دفاعيه جديده. وبذلك, يري لكريني ان التحول الفرنسي نحو افريقيا اصبح اكثر براغماتيه, بعدما تجاوز التركيز التقليدي علي المجال الفرانكوفوني, وهو ما يمكن ان يمنح الدول الافريقيه فرصه لاعاده بناء شراكاتها الخارجيه بما يخدم مصالحها الاستراتيجيه. ثلاثه سيناريوهات للمستقبل لكن مستقبل العلاقات الفرنسيه الافريقيه يبقي, وفق الدراسه, مفتوحاً علي عده احتمالات. ويتمثل السيناريو الاول في ان تعترف فرنسا بفشل جزء من سياساتها السابقه, وتعيد النظر في اخطائها, لتنتقل نحو علاقات اكثر توازناً وشراكات متكافئه, تسمح لها بالحضور كقوه دوليه عاديه تنافس غيرها, مع احترام سياده الدول الافريقيه واختياراتها الخارجيه. ويشمل هذا السيناريو, بحسب لكريني, الانتقال من المساعدات المشروطه الي الاستثمار المشترك, والانفتاح علي دول افريقيه خارج المجال الفرانكوفوني التقليدي, وتطوير التعاون العسكري علي اساس تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي والمساعده في تدبير الازمات, فضلاً عن معالجه ملفات الذاكره الاستعماريه والحدود والديون. اما السيناريو الثاني, فيتمثل في استمرار تراجع النفوذ الفرنسي, خصوصاً مع احتمال نهايه نظام الفرنك الافريقي وتقلص المصالح الاقتصاديه, بما قد يدفع باريس نحو مزيد من العزله لصالح قوي دوليه اخري تقدم شراكات اكثر جاذبيه وتوازناً. ويبرز السيناريو الثالث احتمال لجوء فرنسا الي فرض عقوبات علي الانظمه الافريقيه التي تعتبرها معاديه لمصالحها الاستراتيجيه, وهو خيار قد يؤدي الي تعميق الخلافات بين الجانبين, ويدفع دول القاره اكثر نحو بناء تحالفات وشراكات مع قوي دوليه منافسه. هل تنجح فرنسا في تغيير قواعد اللعبه? ويخلص لكريني الي ان مستقبل العلاقات الفرنسيه الافريقيه سيظل مرتبطاً بقدره باريس علي استيعاب التحولات العميقه التي شهدتها القاره, وفهم تطلعات شعوبها نحو الديمقراطيه والتنميه, والتعامل مع التنافس الدولي الجديد بعيداً عن منطق الهيمنه. وفي المقابل, يري ان تعزيز مكانه افريقيا في النظام الدولي لا يرتبط فقط باعاده صياغه علاقاتها مع فرنسا, وانما يتطلب ايضاً تعزيز التنميه والديمقراطيه, وتقويه مؤسسات الدوله, وترسيخ التداول السلمي علي السلطه, وتحسين الحكامه ومحاربه الفساد وتطوير الاقتصادات الوطنيه. كما يبرز اهميه تطوير اداء الاتحاد الافريقي وتعزيز التكامل الاقتصادي وتفعيل منطقه التجاره الحره القاريه, الي جانب الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار والطاقه المستدامه والامن الغذائي. وبذلك, لا تبدو المعركه الحاليه مجرد خلاف بين افريقيا وفرنسا حول النفوذ, بقدر ما تعكس تحولاً اوسع في موقع القاره داخل النظام الدولي. فالدول الافريقيه باتت تمتلك خيارات وشركاء اكثر من اي وقت مضي, بينما تجد فرنسا نفسها امام اختبار حقيقي: اما ان تعيد بناء حضورها علي اساس النديه والمصالح المشتركه, او ان تواصل خساره مواقعها امام منافسين دوليين مستعدين لتقديم عروض جديده للقاره.
فرنسا والقارة الإفريقية هل يتحول النفوذ المتراجع إلى شراكة جديدة؟
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: هسبريس