يلينك في "أرض موعودة": دولة فلسطينية بلا أرض "كذبة غير معلنة"

يلينك في "أرض موعودة": دولة فلسطينية بلا أرض "كذبة غير معلنة"

وصفت الكاتبه النمساويه الفريده يلينك, الحائزه علي جائزه نوبل للاداب سنه 2004, استمرار الحديث عن دوله فلسطينيه في ظل الاستيطان والاستيلاء علي الاراضي بانه يقوم علي كذبه غير معلنه, معتبره ان حل الدولتين يفقد شروط تحققه مع فرض وقائع جديده علي الارض, وداعيه الاتحاد الاوروبي الي فرض عقوبات صارمه علي مصادره الاراضي واعمال العنف ضد الفلسطينيين. وجاء موقف يلينك, البالغه 79 عاما, في نص بعنوان In einem ausgelobten Land, اي في ارض موعوده, نشرته يوم 28 غشت 2026 علي موقعها الرسمي elfriedejelinek.com, وخصصت فيه مساحه واسعه لمساءله اللغه التي يستخدمها السياسيون الغربيون عند الحديث عن الدوله الفلسطينيه, اذ تري ان تكرار هذا الحل من دون تغيير الشروط التي تحول دون قيامه لا ينتج سوي ما سمته فقاعات هواء. وتفتتح الكاتبه نصها بعلاقه الكلام والتفكير بحياه البشر, قبل ان تنتقل مباشره الي الفلسطينيين, معتبره ان التفكير يصبح فارغا عندما يتحدث العالم عن دوله خاصه بهم من دون توفير الشروط التي تسمح بوجودها, وتقول ان السياسيين يواصلون استحضار هذه الدوله كما لو ان الطريق اليها ما زال قائما, في حين تري ان المسار الحالي يجعل قيامها مستحيلا اذا لم تتغير الوقائع بصوره جذريه. وتربط يلينك هذه الكذبه غير المعلنه, وفق تعبيرها, بما تسميه الاستيلاء علي الاراضي في الضفه الغربيه وغزه والقدس, كما تعرب عن خشيتها من ان يقود فقدان الارض الي تطهير عرقي, وتضع المساله في صيغه شديده المباشره حين تتساءل عن المكان الذي يمكن ان يعيش فيه الناس اذا انتزعت منهم الارض, قبل ان تشير الي ان النتيجه التي تلوح امامهم هي الرحيل. ويحضر حل الدولتين في صلب النص بوصفه واحدا من اكثر المصطلحات تكرارا في الخطاب السياسي الغربي, غير ان يلينك تسال ان كان لا يزال يمثل امكانيه حقيقيه, ثم تجيب بالنفي, اذ تعتبر ان امكان العيش معا يتراجع مع اتساع المستوطنات ووصول مستوطنين جدد الي المناطق نفسها التي يعيش فيها الفلسطينيون, وهو ما يجعلها تربط مستقبل التسويه مباشره بما يجري في الارض لا بما يصدر من تصريحات. وتضع الكاتبه الفلسطينيين في النص داخل علاقتهم اليوميه بالمكان, فتتحدث عن مزارعين ورعاه يزرعون اراضيهم ويعيشون فيها منذ اجيال, وتنتقد توصيفهم باعتبارهم مجرمين او ارهابيين قبل اخراجهم منها, كما تقابل هذا الارتباط المتوارث بالارض بوصول مستوطنين من دول اخري, وتشير في احد المقاطع الي سماعها لهجه امريكيه ثقيله لدي بعضهم. وتستحضر يلينك الفيلسوفه هانا ارنت عند تناول مساله الميلاد والانتماء, وتوضح انها تستخدم مفهومها بتصرف, ثم تعود الي وصف ما يحدث علي الارض من خلال السكان الذين يُبعدون عن مسارات حياتهم اليوميه, فيما تستخدم في حديثها عن المستوطنين لفظ المستعمرين, مشيره الي انه وصف كان مستخدما في السابق وعاد الي التداول. ولا تخفي يلينك صعوبه اللغه التي تستخدمها في المقال, اذ تقول انها تلجا احيانا الي صياغه تبدو مزخرفه لانها لا تعرف كيف يمكن التعبير بصوره ابسط عما تصفه بالفظاعه, والمفارقه التي تركز عليها تتمثل في ان العالم يتحدث باستمرار عن شيء تري ان الوقائع التي تُنشا كل يوم تحول دون وجوده, اي الدوله الفلسطينيه. وتنتقل الكاتبه من الدوله باعتبارها مشروعا سياسيا الي ما هو اصغر واكثر مباشره, فتتحدث عن فلسطينيين فقدوا ممتلكاتهم واراضيهم, ثم قد يتعرضون للضرب او اطلاق النار اذا حاولوا الحفاظ علي ما تبقي منها, وتلفت الي انها في هذه المرحله لا تتحدث حتي عن دوله, وانما عن الممتلكات الصغيره التي يحاول اصحابها الاحتفاظ بها. كما تنتقد يلينك انتقال الحديث من الاشياء الملموسه, وفي مقدمتها الارض وزراعتها وملكيتها, الي ما تصفه بسحب من الاساطير المرتبطه بالماضي التوراتي, وتقول ان اللغه التي يفترض ان تتحدث عن الارض بوصفها واقعا ماديا تتراجع امام سرديات تاريخيه ودينيه, فيما يبقي السؤال المتعلق بمن يعيش فوق الارض ومن يملكها حاضرا في النص. وتبلغ ازمه اللغه ذروتها حين تكتب يلينك ان لغتها تموت تحت اصابعها, في موازاه موت اشخاص في اماكن اخري, معتبره ان الحديث الواقعي عن شيء لا تتوافر له شروط الوجود يدفع اللغه نفسها الي الفراغ, ومن هذا المدخل تنتقد سياسيين غربيين, بينهم مسؤوله نمساويه, يواصلون الحديث عن حل القضيه الفلسطينيه من خلال قيام دوله فلسطينيه من دون التعامل مع الاسباب التي تري انها تحول دون قيامها. ويصبح النص اكثر مباشره عند الحديث عن عنف المستوطنين, اذ تقول الكاتبه انه ما دامت الاعتداءات التي يرتكبها من تسميهم المستوطنين الجدد لا تواجه بالعقاب, فان المفاوضات ستصطدم بالوقائع الجديده التي اُنشئت علي الارض, كما تعود الي المزارعين والرعاه الذين تقول انهم يصبحون بلا ارض ثم يوصفون بالمجرمين والارهابيين قبل اخراجهم من ممتلكاتهم. وفي هذا السياق تستحضر يلينك الرئيس الامريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر, وتشير بسخريه الي امكان استخدام الاراضي المنتزعه في اقامه احد المنتجعات الشهيره التي تخرج, بحسب عبارتها, من افكارهما, وهو المقطع الذي تستخدمه للحديث عن تحويل الارض من مكان يعيش فيه السكان الي موضوع لمشاريع استثماريه وعقاريه. وتوجه الكاتبه في النص اتهاما الي الجيش الاسرائيلي بحمايه المستوطنين ودعم الاستيلاء علي الاراضي, وتقول ان الاتجاه الذي تسير فيه التطورات اصبح مرئيا للجميع حتي عندما لا يقال ذلك صراحه, كما تشير الي ان الوقائع تتغير باستمرار, غير ان اتجاهها, وفق تصورها, يظل محددا, ومن يملك القدره علي تحديد هذا الاتجاه يمتلك موقعا متقدما في رسم النتيجه. وعند هذه النقطه تنتقل يلينك الي علاقتها الشخصيه بالدوله اليهوديه, وتتساءل عما اذا كان ترددها في قول بعض الاشياء يرتبط بحبها لهذه الدوله التي استقبلت عددا من اسلافها, والتي كان ينظر اليها باعتبارها ملاذا وانقاذا لليهود الذين تعرضوا للاضطهاد, وهي خلفيه تربط موقفها الحالي مباشره بالذاكره الاوروبيه التي تشكل جزءا من تاريخ عائلتها. وكانت يلينك قد تحدثت في مناسبات مختلفه عن تاريخ عائلتها اليهودي, كما اشارت الماده التي تناولت نصها الي ان والدها اليهودي نجا من النازيه, غير ان الكاتبه لا تستخدم هذه الخلفيه في في ارض موعوده للتراجع عن انتقادها, وانما تحولها الي سؤال يتعلق بمسؤوليه البلدان الاوروبيه التي ارتبط تاريخها بجرائم النازيه وبمدي تاثير شعورها المستمر بالذنب في تعاملها مع السياسات الاسرائيليه الراهنه. وتكتب يلينك عن بلدان الجناه وعن استمرار عبء المسؤوليه التاريخيه, وتتساءل عما اذا كان هذا الارث يتحول احيانا من اعتراف بالذنب الي سبب للصمت, ثم تقول ان من لا يملك شيئا اخر ليقوله قد يكون من الافضل له ان يصمت, قبل ان تنتقل الي الحديث عن الفرصه المتاحه للاوروبيين كي يعبروا عن موقف يتعلق بحق البشر جميعا في الوجود داخل العالم من دون ان تسلب منهم حقوقهم. ومن هذا المستوي تنتقل الكاتبه الي مطلب سياسي محدد, اذ تقول ان الوصول الي وضع من العداله غير ممكن من دون عقوبات اوروبيه صارمه علي الاستيلاء علي الاراضي واعمال العنف الموجهه ضد اصحابها, معتبره ان زمن اعلان الالتزام بشيء غير موجود, لكنه يفترض ان يوجد, قد انتهي, في اشاره واضحه الي الدوله الفلسطينيه. وتصوغ يلينك موقفها من الارض بعباره مباشره, فالارض الموجوده في مكان ما لا يمكن اخذها ونقلها الي مكان اخر, ولذلك تقول انها ينبغي ان تترك لمن تعود اليهم او ان تعاد الي اصحابها عندما تكون قد انتزعت منهم, كما تضيف ان زمن التريث قد انتهي, لتربط مطلبها بالعقوبات باعاده الارض وحمايه اصحابها. ولا يقدم في ارض موعوده خطه سياسيه للتسويه, ولا يدخل في تفاصيل الحدود او المفاوضات او الترتيبات الامنيه, اذ يتركز النص علي سؤال اكثر مباشره يتعلق بامكان الحديث عن دوله فلسطينيه عندما تتغير الارض التي يفترض ان تقوم عليها هذه الدوله, ولذلك يصبح الاستيطان ومصادره الممتلكات وعنف المستوطنين العناصر الاساسيه التي تبني يلينك عليها اعتراضها علي الخطاب الغربي. ويحضر البعد الثقافي في النص من خلال الطريقه التي تتعامل بها يلينك مع الكلمات نفسها, فمصطلحات مثل حل الدولتين والعيش معا والوعد والارض لا تمر باعتبارها تعبيرات سياسيه جاهزه, وانما تعود اليها الكاتبه لتسال عما اذا كانت لا تزال تصف واقعا ممكنا, وهو اشتغال لغوي يترافق مع الاشارات الي هانا ارنت والتاريخ الاوروبي والذاكره المرتبطه بالنازيه. وتاتي هذه الكتابه من صاحبه مسار ادبي حاز جائزه نوبل للاداب سنه 2004, وهي الجائزه التي وضعت الفريده يلينك بين ابرز الاسماء الادبيه الناطقه بالالمانيه, فيما واصلت الكاتبه نشر نصوص تتعامل مع قضايا سياسيه واجتماعيه الي جانب اعمالها الادبيه, وياتي في ارض موعوده ضمن هذا النوع من الكتابه التي يتداخل فيها الموقف من الحدث مع مساءله الكلمات المستخدمه في تقديمه. وتعود يلينك في خاتمه نصها الي التاريخ الفكري الالماني, فتستحضر حكايه عن من تسميه الفيلسوف الفاشي وعن مفاضلته بين قبول دعوه الي برلين والبقاء في الريف, قبل ان تظهر في النص عبارتا الدم والارض, المرتبطتان بتاريخ الخطاب القومي الالماني والحقبه النازيه, في احاله تعيد مساله الارض والانتماء الي الذاكره السياسيه الاوروبيه التي استحضرتها الكاتبه طوال المقال. ويضع نص في ارض موعوده حل الدولتين في مواجهه الوقائع الميدانيه كما تراها يلينك, اذ لا ترفض الكاتبه قيام دوله فلسطينيه, وانما تعتبر ان الحديث عنها يفقد مضمونه عندما تستمر مصادره الارض التي يفترض ان تقوم عليها, ومن هنا تصل الي وصف الفجوه بين الكلام السياسي والواقع بانها كذبه غير معلنه, وتطالب اوروبا بانهاء مرحله التصريحات والانتقال الي فرض عقوبات علي الاستيلاء علي الاراضي واعمال العنف, مع حمايه حق الفلسطينيين في البقاء علي ارضهم.

اقرأ المقال كاملاً المصدر: هسبريس
شارك: