دفعت الحرب مع ايران الولايات المتحده الي نقل كميات كبيره من الذخائر وانظمه الدفاع الجوي من مخزوناتها المنتشره في اوروبا واسيا الي الشرق الاوسط, وسط مخاوف داخل دوائر التخطيط العسكري من ان يؤدي استمرار الاستنزاف الي تقليص قدره واشنطن علي التعامل في وقت متزامن مع ازمات محتمله في مناطق اخري, وفي مقدمتها مواجهه عسكريه حول تايوان او تصعيد امني في اوروبا. وبحسب مسؤولين اميركيين تحدثوا الي صحيفه وول ستريت جورنال, وصلت مخزونات بعض الاسلحه الاميركيه الموجوده في اوروبا, ومنها صواريخ PAC-3 الاعتراضيه المستخدمه ضمن منظومه باتريوت وصواريخ اتاكمز ارض-ارض, الي مستويات وصفها بعضهم بانها تجاوزت المرحله الحرجه, بعد تحويل اسلحه وذخائر الي الشرق الاوسط لمواجهه الصواريخ والطائرات المسيره الايرانيه. وامتدت عمليات النقل الي ذخائر للضربات الدقيقه وصواريخ موجهه كانت مخزنه في اوروبا, اضافه الي صواريخ اعتراضيه لمنظومه ثاد وانظمه ميروبس المضاده للطائرات المسيره, فيما جري تحويل تجهيزات وذخائر من دول بينها المانيا واليابان وكوريا الجنوبيه. ورغم ان المواجهات المباشره بين الولايات المتحده وايران تراجعت خلال الاسابيع الاخيره, فان اعاده بناء المخزونات الي مستوياتها السابقه قد تستغرق سنوات, بالنظر الي معدلات الانتاج الحاليه وطول دوره تصنيع بعض الصواريخ المتطوره, الامر الذي يثير مخاوف من ظهور فجوات مؤقته في الانتشار العسكري الاميركي خارج الشرق الاوسط. وتاتي هذه التطورات في وقت لا تري فيه التقديرات العسكريه الغربيه ان هجوما روسيا واسعا علي دول حلف شمال الاطلسي او تحركا صينيا عسكريا ضد تايوان بات وشيكا, الا ان مخططي الدفاع يعتمدون عاده علي مخزونات تسمح بالاستجابه لسيناريوهات مفاجئه, وهو ما يجعل حجم الذخائر المتاحه جزءا اساسيا من حسابات الردع. استهلاك واسع لصواريخ الاعتراض تكشف الارقام الوارده عن حجم الاستخدام الاميركي لذخائر الدفاع الجوي خلال الحرب, اذ افاد مسؤولون بانه بحلول منتصف يوليو كانت القوات الاميركيه قد استخدمت نحو 1700 صاروخ اعتراضي من منظومه باتريوت, واكثر من 200 صاروخ من منظومه ثاد, بينما اطلقت السفن الحربيه الاميركيه نحو 150 صاروخا اعتراضيا من عائله ستاندرد لمواجهه الصواريخ والطائرات المسيره الايرانيه. وتتقارب هذه التقديرات مع حسابات اعدها محللون مستقلون اعتمادا علي بيانات الميزانيه ومعدلات استهلاك الذخائر, فيما تشير الارقام الاميركيه الي ان ايران اطلقت خلال الحرب اكثر من 1500 صاروخ باليستي ونحو 6 الاف طائره مسيره كبيره, مع استمرار هجمات استهدفت سفنا في مضيق هرمز. وتختلف صواريخ الاعتراض المستخدمه في طبيعتها وكلفتها ومهامها, الا انها تشترك في صعوبه تعويضها بسرعه عندما يجري استهلاكها بمعدلات مرتفعه, خصوصا ان انتاج الانظمه الاكثر تطورا يتطلب خطوط تصنيع متخصصه وسلاسل توريد تمتد الي مكونات الكترونيه ومحركات ومواد دقيقه. وقد دفعت هذه الضغوط القوات الاميركيه الي اتخاذ اجراءات لترشيد استخدام الذخائر, اذ امتنع الجيش في بعض الحالات عن الرد علي هجمات ايرانيه استهدفت سفنا في مضيق هرمز, بينما ناقش المسؤولون جدوي تنفيذ ضربات متبادله يمكن ان تستهلك كميات اضافيه من الاسلحه ذات المخزون المحدود. كما جاء قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب وقف الضربات علي ايران مؤقتا في اواخر يوليو في خضم نقاشات داخل الاداره بشان مستويات الذخائر, وفقا للصحيفه, فيما لجات القوات الاميركيه الي تجديد بعض صواريخ توماهوك القديمه في محاوله لزياده المخزون المتاح. ولا تقتصر المساله علي الصواريخ نفسها, اذ نقلت الولايات المتحده وحدات دفاع جوي من اوروبا ومنطقه المحيط الهادئ الي الشرق الاوسط, ما ادي الي تمديد فترات انتشار الافراد والمعدات ورفع الضغط علي قدره الجيش علي الاستجابه لازمات جديده في مناطق اخري. واستخدمت هذه الوحدات خلال الحرب في حمايه القواعد العسكريه والبنيه التحتيه للطاقه والمناطق السكانيه من الصواريخ والمسيرات الايرانيه, وهي مهمه تطلبت اعتراض الاف المقذوفات علي مدي فتره زمنيه قصيره نسبيا. ويشرف وزير الدفاع بيت هيغسيث علي عمليات نقل القوات والذخائر عبر الاجراءات المعمول بها في البنتاغون, اذ تحتاج التحركات الكبيره للاصول العسكريه بين مسارح العمليات الي موافقه علي مستوي قياده الوزاره. اوروبا وتايوان واوكرانيا تحت ضغط المخزونات ادي انخفاض مخزونات الذخائر الي تعديلات في الخطط العملياتيه للقياده الاميركيه في اوروبا, وفق مسؤولين تحدثوا الي الصحيفه, كما عزز النقاش داخل الاداره بشان قدره الولايات المتحده علي تنفيذ كامل خطط الطوارئ الموضوعه للدفاع عن تايوان اذا وقع هجوم صيني في المدي القريب. ولا يعني ذلك, وفق المعطيات المنشوره, ان الولايات المتحده اصبحت عاجزه عن التحرك عسكريا في اسيا او اوروبا, لكنه يكشف عن مشكله مرتبطه بتوزيع موارد محدوده بين عده مسارح استراتيجيه في وقت واحد, خصوصا في الاسلحه الدفاعيه التي يصعب زياده انتاجها خلال فتره قصيره. وتولي المؤسسه العسكريه الاميركيه اهتماما خاصا لمنطقه المحيطين الهندي والهادئ بسبب الصين, اذ يعتمد جزء مهم من خطط الدفاع عن القواعد الاميركيه والحلفاء علي صواريخ اعتراض متطوره تستخدم ايضا في الشرق الاوسط. ويزيد هذا التداخل من حساسيه عمليات سحب الذخائر من اليابان وكوريا الجنوبيه, اذ تحتاج القياده العسكريه الي الموازنه بين متطلبات المواجهه الجاريه في الشرق الاوسط وبين الاحتفاظ بمخزون يسمح بالتعامل مع اي تطور مفاجئ في اسيا. وفي اوروبا, تتزامن عمليات سحب الاسلحه مع مراجعه يجريها البنتاغون للانتشار العسكري الاميركي في القاره, قد تقود الي خفض اضافي للقوات الموجوده هناك, فيما يثير استمرار الانشطه الروسيه الهجينه مخاوف لدي بعض اعضاء الكونغرس والمسؤولين الاوروبيين. واعرب السيناتور الجمهوري روجر ويكر عن ضروره ان تاخذ مراجعه الانتشار العسكري في اوروبا في الاعتبار المخاطر المرتبطه بروسيا, في وقت تستمر فيه تقديرات استخباراتيه اميركيه بشان احتمال ان تختبر موسكو تماسك حلف شمال الاطلسي خلال السنوات المقبله. ويمتد اثر انخفاض المخزونات ايضا الي اوكرانيا, حيث ادت محدوديه صواريخ الدفاع الجوي الغربيه الي تقليص القدره علي تزويد كييف بمزيد من صواريخ الاعتراض, بالتزامن مع استمرار الهجمات الصاروخيه الروسيه علي مدن ومناطق ماهوله. كما يواجه عدد من حلفاء الولايات المتحده تاخيرا في الحصول علي ذخائر سبق ان اشتروها من واشنطن, نتيجه الضغط علي خطوط الانتاج والطلب المرتفع علي انظمه الدفاع الجوي منذ بدء الحرب الروسيه في اوكرانيا, ثم الحرب مع ايران. وتكتسب صواريخ PAC-3 اهميه خاصه لانها النسخه الاكثر تقدما بين صواريخ باتريوت الاعتراضيه, وتستخدم لمواجهه الصواريخ الباليستيه واهداف جويه اخري, وهو ما يجعلها مطلوبه في اوروبا والشرق الاوسط واسيا في الوقت نفسه. وقال متحدث عسكري باسم حلف شمال الاطلسي ان الحلف يمتلك ما يكفي من ذخائر الدفاع الجوي, ومنها صواريخ باتريوت, للدفاع عن اراضيه والاستمرار في تقديم مساعدات الي اوكرانيا, لكنه لم يقدم تفاصيل بشان حجم المخزونات الاميركيه من صواريخ PAC-3. واشنطن تنفي وجود نقص يهدد قدرتها العسكريه في مقابل تقديرات المسؤولين الذين تحدثوا عن مستويات متدنيه في بعض المخزونات, رفض البيت الابيض والبنتاغون القول ان الولايات المتحده تواجه نقصا يهدد قدرتها علي تنفيذ مهامها العسكريه. وقالت المتحدثه باسم البيت الابيض انا كيلي ان القوات الاميركيه تمتلك ما يكفي من الذخائر والمخزونات لتحقيق الاهداف الاستراتيجيه للرئيس ترامب والتعامل مع التهديدات الاخري, مشيره الي ان الاداره تدفع شركات الصناعات الدفاعيه الي زياده انتاج الاسلحه داخل الولايات المتحده. كما نفي المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل وجود نقص كبير في الذخائر الاميركيه المنتشره خارج البلاد, وانتقد التقارير التي تتحدث عن تراجع خطير في المخزونات, معتبرا ان مثل هذه المعلومات قد تشجع خصوم الولايات المتحده علي اختبار قدراتها. ولم تكشف الاداره الاميركيه عن انواع وكميات الاسلحه التي نُقلت من اوروبا واسيا الي الشرق الاوسط, كما لم تعلن حجم ما تبقي منها في كل منطقه, وهو ما يجعل تقدير مستوي المخزون الفعلي محصورا الي حد بعيد داخل المؤسسات العسكريه والاستخباراتيه. ويبرز التباين بين تصريحات الاداره وتقديرات بعض المسؤولين العسكريين اختلافا في زاويه تقييم المخزون, اذ يمكن ان تمتلك القوات الاميركيه ما يكفي لمواصله العمليات الحاليه, بينما يري مخططون عسكريون ان المستوي المتبقي اقل مما تتطلبه خطط الطوارئ الموضوعه لمواجهه اكثر من ازمه متزامنه. ويختلف مفهوم النقص تبعا للمعيار المستخدم, فامتلاك ذخائر تكفي لاستمرار عمليه عسكريه جاريه لا يعني بالضروره وجود كميات كافيه لتنفيذ خطه حرب منفصله في منطقه ثانيه, خصوصا اذا كانت الخطه تفترض استهلاكا كبيرا للصواريخ الاعتراضيه خلال الايام الاولي للمواجهه. وتكشف الحرب مع ايران عن اتساع الفجوه بين سرعه استهلاك اسلحه الدفاع الجوي وبين قدره الصناعه الدفاعيه علي تعويضها, وهي مساله ظهرت سابقا مع الحرب في اوكرانيا, عندما واجهت الولايات المتحده وحلفاؤها صعوبه في زياده انتاج القذائف والصواريخ بالسرعه التي فرضتها العمليات. ويحتاج توسيع انتاج صواريخ باتريوت وثاد وغيرها الي عقود طويله الاجل واستثمارات في المصانع وسلاسل التوريد والقوي العامله, ما يعني ان القرارات المتخذه اليوم لن تنعكس بالضروره في شكل زياده كبيره في المخزونات خلال اشهر قليله. وفي الوقت نفسه, انتقلت اداره ترامب الي زياده الضغط الاقتصادي علي ايران بعد تعذر فرض تنازلات عبر القوه العسكريه, وقال وزير الخزانه سكوت بيسنت ان التركيز الجديد علي العقوبات يهدف الي تجنب العوده الي قتال واسع في المدي القريب. لكن مسؤولين عربا ومسؤولين اميركيين سابقين حذروا من ان تشديد العقوبات يمكن ان يدفع طهران الي الرد علي منشات وبني تحتيه في المنطقه, الامر الذي قد يعيد الطلب علي صواريخ الاعتراض الاميركيه الي الارتفاع. وقال دانيال شابيرو, المسؤول السابق في البنتاغون والباحث في المجلس الاطلسي, ان ايران ما تزال تملك ادوات تمكنها من الحاق اضرار بالولايات المتحده والاقتصاد العالمي, وان استخدام هذه الادوات قد يفرض ردا عسكريا اميركيا جديدا. وتضع هذه الاحتمالات واشنطن امام معادله تتجاوز الحرب مع ايران نفسها, اذ يتعين عليها حمايه القوات والحلفاء في الشرق الاوسط مع الاحتفاظ بمخزونات كافيه لخطط الردع في اوروبا واسيا, وفي وقت تحتاج فيه المصانع الي سنوات لتعويض جزء من الاسلحه المستهلكه او المنقوله. وبهذا يصبح معدل انتاج الذخائر عنصرا مؤثرا في السياسه الخارجيه الاميركيه بقدر تاثير عدد القوات والقواعد العسكريه, اذ تظهر تجربه الحرب ان القدره علي نشر منظومات دفاعيه متطوره في مناطق عده تبقي مرتبطه بوجود مخزون يسمح باستخدامها بمعدلات مرتفعه من دون اضعاف الاستعداد في جبهات اخري. والتحدي المطروح امام البنتاغون خلال المرحله المقبله لا يرتبط بتعويض ما استهلك في الشرق الاوسط فقط, وانما باعاده بناء مستويات احتياط تسمح للولايات المتحده بالاحتفاظ بقدره ردع متزامنه تجاه ايران وروسيا والصين, في وقت اصبحت فيه صواريخ الدفاع الجوي من اكثر الذخائر طلبا وابطئها تعويضا داخل الترسانه الغربيه.
"حرب إيران" تستنزف ذخائر أمريكا وتربك خطط الردع أمام الصين وروسيا
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: هسبريس