تتراجع تدريجيا الصوره التي ارتبطت بتركيا طوال سنوات باعتبارها وجهه قريبه من اوروبا تجمع بين المنتجعات الجيده والاسعار المنخفضه, بعدما رفعت موجه الغلاء كلفه الاقامه والطعام والترفيه, في وقت لم يعد تراجع الليره يمنح السائح الاجنبي القوه الشرائيه التي اعتادها, وهو تحول بدات اثاره تظهر في اعداد الوافدين من بعض الاسواق الرئيسيه وفي خيارات المسافرين الباحثين عن بدائل اقل كلفه. واظهرت بيانات وزاره الثقافه والسياحه التركيه ان عدد السياح الوافدين انخفض علي اساس سنوي بنسبه 3.6 في المائه خلال ماي الماضي, ثم بنسبه 4 في المائه في يونيو, قبل ان يسجل تراجعا اضافيا بنسبه 0.3 في المائه في يوليو, وجاءت هذه الارقام بعد بدايه قويه للعام, ما يكشف اختلافا واضحا بين زخم الاشهر الاولي واداء قلب الموسم الصيفي. ولا تشير هذه النسب الي انهيار في قطاع يعد من الاكبر عالميا, لكنها تعكس تغيرا في احد العناصر التي ساعدت تركيا علي توسيع حصتها من السياحه الدوليه, وهو السعر, فقد استطاع السائح الاوروبي خلال سنوات الاستفاده من انخفاض الليره للحصول علي اقامه ومطاعم وانشطه باسعار تقل كثيرا عن نظيراتها في عدد من الوجهات المتوسطيه, الا ان هذه المعادله اصبحت اقل وضوحا في 2026. ويرتبط التحول بالطريقه التي تتحرك بها العمله مقارنه بالاسعار, اذ تحافظ السياسه التركيه علي وتيره انخفاض لليره ابطا من معدل التضخم, بما يساعد علي الحد من انتقال ضعف العمله الي مزيد من الغلاء داخل الاقتصاد, غير ان النتيجه بالنسبه الي السائح القادم بالجنيه الاسترليني او اليورو او الدولار مختلفه, فالاسعار المحليه تصعد بوتيره اسرع من المكسب الذي يحققه عند تحويل عملته الي الليره. وبلغه السياحه اليوميه, فان امتلاك الجنيه الاسترليني او اليورو لم يعد يعني الحصول علي الكميه نفسها من الخدمات التي كان السائح يحصل عليها قبل عام او عامين, حتي اذا ظلت الليره اضعف من العملات الاوروبيه, وهو ما يفسر ارتفاع الفاتوره النهائيه للعطله وتقلص الفارق بين تركيا ووجهات منافسه في تونس والجبل الاسود وسلوفينيا واجزاء من جنوب اوروبا. بريطانيا تكشف اول مؤشرات تغير الطلب يظهر اثر الغلاء بصوره اوضح في السوق البريطانيه, وهي ثالث اكبر مصدر للسياح الاجانب الي تركيا, بعدما تراجع عدد الوافدين من المملكه المتحده بنسبه 11 في المائه خلال يوليو مقارنه بالشهر نفسه من العام السابق. وفي هذا السياق نقلت وكاله بلومبرغ تجربه دونا وديف نيدهام, وهما مدرسان يديران ايضا وكاله سفر صغيره واعتادا قضاء عطلاتهما العائليه في تركيا, اذ زارا البلاد مع اطفالهما خمس مرات منذ عام 2021 مستفيدين من قربها الجغرافي وسمعتها كوجهه ميسوره الكلفه. لكن رحلتهما الي الساحل المتوسطي هذا الصيف جاءت مختلفه, اذ تحدثا عن فارق هائل في الاسعار مقارنه بالسنوات الماضيه, بعدما اصبح المنتجع الذي اعتادا الاقامه فيه خارج ميزانيتهما, كما ارتفعت كلفه عدد من الانشطه التي كانت الاسره تمارسها خلال زيارات سابقه. ومن الامثله التي قدماها ارتفاع سعر جوله علي الدراجه المائيه لمده 15 دقيقه الي 90 جنيها استرلينيا, مقابل 20 جنيها فقط قبل عام, اي ان نشاطا ترفيهيا قصيرا ارتفعت كلفته باكثر من اربعه اضعاف خلال فتره زمنيه محدوده. وقالت دونا نيدهام ان تركيا لن تكون الخيار الاول للاسره في عطله العام المقبل, وهي شهاده لا يمكن تعميمها بمفردها علي سوق تضم ملايين المسافرين, لكنها تكتسب دلالتها حين توضع الي جانب انخفاض اعداد السياح البريطانيين وتحول جزء من الطلب الي وجهات اخري. وقد رصدت شركه هوليداي اكستراز البريطانيه هذا التحول, مشيره الي انتقال بعض الطلب الذي كان يتجه الي تركيا نحو وجهات اكثر قدره علي المنافسه من حيث السعر, من بينها تونس والجبل الاسود وسلوفينيا, وهي اسواق تستفيد من حساسيه الاسر الاوروبيه تجاه كلفه العطلات بعد سنوات من ارتفاع نفقات المعيشه. وتتنافس هذه الوجهات علي السائح نفسه تقريبا, وهو مسافر لا ينظر الي سعر الفندق وحده وانما يجمع ثمن الطيران والاقامه والوجبات والتنقل والانشطه والمشتريات, لذلك فان ارتفاع الاسعار في اكثر من بند يمكن ان يغير القرار النهائي حتي اذا بقيت تركيا اكثر شهره او امتلكت بنيه فندقيه اوسع. وتواجه المنتجعات التركيه هنا تحديا مزدوجا, اذ تحتاج الي الحفاظ علي اسعار قادره علي استقطاب اعداد كبيره من الزوار, وفي الوقت نفسه ترتفع عليها تكاليف الاجور والطاقه والغذاء والصيانه والخدمات, ما يقلص قدرتها علي تقديم التخفيضات نفسها التي اعتادها منظمو الرحلات في المواسم السابقه. كما ان المنافسه لم تعد محصوره في السياح الاجانب, فقد بدا الاتراك انفسهم يقارنون بصوره اكبر بين كلفه العطله داخل البلاد واسعار السفر الي الخارج, ووجد بعض من يستطيعون الحصول علي تاشيرات ان دولا مجاوره, ومنها اليونان, قد تقدم في بعض الحالات اسعارا منافسه للفنادق والمطاعم والانشطه. وتظهر احدث البيانات المتاحه ان عدد الرحلات السياحيه الداخليه في تركيا تراجع خلال 2025 مقارنه بالعام السابق, في اول انخفاض منذ جائحه كوفيد-19, وهي اشاره الي ان الغلاء اصبح مؤثرا ايضا في قرارات المستهلك المحلي الذي يعرف مستويات الاسعار داخل بلاده ويملك اساسا واضحا للمقارنه. الليره لم تعد تعوض قفزات الاسعار اعتمدت السياحه التركيه طوال فتره طويله علي ميزه غير مباشره وفرها ضعف العمله, فكلما انخفضت الليره امام العملات الاجنبيه اصبحت الفنادق والمطاعم والخدمات ارخص عند احتسابها بالدولار او اليورو او الجنيه الاسترليني, وساعد هذا العامل في استقطاب سياح يبحثون عن مستوي مرتفع من الخدمه بكلفه تقل عن المنتجعات الاوروبيه. لكن استمرار التضخم المرتفع غيّر اثر العمله, اذ يمكن ان تتراجع الليره بنسبه معينه فيما تقفز اسعار الخدمات بنسبه اكبر, وعندها يصبح السائح الذي يحمل عمله اجنبيه امام زياده فعليه في الكلفه رغم استمرار ضعف العمله التركيه. ولهذا لا تعني عباره الليره الضعيفه تلقائيا ان تركيا ما تزال رخيصه, لان العامل الحاسم بالنسبه الي الزائر هو العلاقه بين سعر الصرف ومستوي الاسعار, فاذا ارتفع الفندق او المطعم او النشاط الترفيهي اسرع من انخفاض قيمه الليره, تتاكل ميزه العمله التي كانت تخفف فاتوره الرحله. ويحمل هذا التحول اثرا مباشرا علي نموذج السياحه الجماهيريه, خصوصا في انطاليا وغيرها من المنتجعات التي تستقبل اعدادا كبيره من البريطانيين والالمان والروس ضمن عروض تشمل الطيران والاقامه والطعام, لان شركات الرحلات تحتاج الي اسعار تعاقديه تسمح لها بتسويق الحزمه كامله بسعر منافس. ويقول توني باش اوغلو, الذي يدير شركه تجاريه ويؤجر فللا في محافظه انطاليا, ان كثيرا من الناس اعتادوا التعامل مع تركيا كوجهه رخيصه, بينما لم يعد هذا الوصف ينطبق عليها كما في السابق, فالسائح ما يزال قادرا علي قضاء عطله جيده, الا ان الكلفه لم تعد منخفضه بالصوره التي ارتبطت بالبلاد خلال سنوات. ويضع هذا الواقع القطاع امام ضروره المنافسه علي عناصر اخري غير السعر, ومنها جوده الفنادق واتساع شبكه الطيران وتنوع المنتج السياحي والمواقع التاريخيه والسياحه العلاجيه والمطاعم واليخوت, وهي مجالات تستطيع تركيا من خلالها جذب شرائح لا تختار وجهتها اعتمادا علي الكلفه وحدها. وتملك البلاد بالفعل قاعده واسعه لهذا التحول, فاسطنبول تجمع السياحه الثقافيه والتجاريه والترفيهيه, فيما توفر انطاليا احد اكبر تجمعات المنتجعات في المتوسط, وتستقطب بودروم ومرمريس وغوجيك فئات مرتبطه باليخوت والسياحه الاعلي انفاقا, الي جانب نمو السياحه الطبيه والعلاجيه التي تستهدف زوارا تختلف حساباتهم عن حسابات الاسره الباحثه عن عطله صيفيه منخفضه السعر. غير ان الانتقال من صوره الوجهه الرخيصه الي وجهه تعتمد اكثر علي الجوده والقيمه المضافه يحتاج الي وقت واستثمارات, لان رفع الاسعار من دون تحسن محسوس في الخدمه قد يؤدي الي خساره السائح الحساس للكلفه من دون ضمان استقطاب شريحه اعلي انفاقا. المستثمرون يواجهون ضغط الهوامش رغم انخفاض اعداد الوافدين في عدد من اشهر الصيف, لم تسجل ايرادات السياحه تراجعا مماثلا, اذ تشير المعطيات الي ان الزوار الذين يصلون الي تركيا ينفقون اكثر, ما يساعد علي تعويض جزء من اثر انخفاض الاعداد. وكان قطاع السياحه قد مثل نحو 4.1 في المائه من الناتج المحلي الاجمالي التركي خلال 2025, فيما تعتمد البلاد علي تدفقات العملات الاجنبيه التي يوفرها السياح للمساهمه في دعم ميزانها الخارجي واستقرار العمله, وهو ما يمنح اداء القطاع اهميه تتجاوز الفنادق وشركات السفر. لكن ارتفاع الانفاق لا يكفي وحده لقياس متانه القطاع, لان زياده ايرادات السياحه يمكن ان تنتج من تحسن نوعيه الخدمات وارتفاع حصه الزوار ذوي الانفاق الكبير, كما يمكن ان تنتج ببساطه من ارتفاع الاسعار التي يدفعها العدد نفسه من السياح او عدد اقل منهم. ويواجه المستثمرون بدورهم هذه المفارقه, اذ قال امري نارين, نائب رئيس شركه مارتي اوتيل التي تدير منشات في الريفييرا التركيه, ان المشكله الاساسيه لا تتعلق باعداد الزوار وحدها, وانما بقدره الشركات علي الحفاظ علي هوامش الربح في ظل ارتفاع التكاليف وسياسه سعر الصرف. وتدفع زياده المصاريف التشغيليه الفنادق الي تعديل اسعارها, لكن الزياده التي تحمي ارباح المنشاه قد تقلص تنافسيتها امام وجهه اخري, ما يجعل اداره الاسعار اكثر حساسيه في سوق يستطيع فيها السائح مقارنه عشرات الفنادق والدول خلال دقائق عبر منصات الحجز. واضيفت الي العوامل الاقتصاديه خلال الموسم الحالي تطورات الحرب في ايران, اذ قال نارين ان اندلاعها جاء خلال ذروه فتره الحجوزات المبكره وادي الي بدايه صعبه للموسم, قبل ان يبدا النشاط في التحسن خلال يوليو. وتعمل التوترات الاقليميه في اتجاهات مختلفه, فقد تستفيد تركيا من انتقال مسافرين كانوا يخططون لوجهات اقرب الي مناطق الصراع, الا ان تصاعد المخاطر في الاقليم يمكن في الوقت نفسه ان يؤثر في الحجوزات الاوروبيه وحركه الطيران, خصوصا لدي المسافرين الذين لا يميزون بدقه بين المسافات الجغرافيه داخل المنطقه. ولا تزال تركيا تتمتع بمزايا قويه في النقل الجوي, اذ توفر شبكه الخطوط الجويه التركيه ومطار اسطنبول ارتباطا واسعا باوروبا واسيا وافريقيا والشرق الاوسط, وهو عامل يسمح باستقطاب الزوار والمحافظه علي مكانه البلاد كمركز للسفر والعبور. وتراهن السلطات بالتوازي علي زياده السياحه ذات القيمه المرتفعه وتمديد الموسم خارج اشهر الصيف, مع تطوير السياحه الثقافيه والعلاجيه وسياحه الطعام والمؤتمرات واليخوت, اضافه الي محاوله توسيع الحضور في اسواق الصين واسيا وافريقيا مع الحفاظ علي الاسواق التقليديه في اوروبا وروسيا والدول العربيه. وتستهدف تركيا عائدات سياحيه بقيمه 68 مليار دولار خلال 2026, ويمكن لاستمرار ارتفاع متوسط انفاق السائح ان يدعم هذا الهدف حتي مع ضعف محدود في اعداد الزوار, الا ان البيانات التي ظهرت خلال ماي ويونيو ويوليو تجعل تطور عدد الوافدين مؤشرا لا يقل اهميه عن حجم الايرادات. وسيكون اداء السوق البريطانيه من المؤشرات التي تستحق المتابعه, لان انخفاضها بنسبه 11 في المائه جاء في سوق كبيره عرفت تركيا سنوات كوجهه ذات قيمه جيده مقابل المال, واذا امتد الاتجاه الي اسواق اوروبيه اخري فقد يصبح السعر تحديا اكبر امام المنتجعات التركيه خلال المواسم المقبله. ولا تظهر السياحه التركيه حاليا امام ازمه في الطلب بقدر ما تواجه تغيرا في نموذج المنافسه, اذ ما زالت البلاد تستقبل اعدادا ضخمه من الزوار وتحقق عائدات مرتفعه, فيما تتراجع في المقابل افضليه السعر التي اسهمت طويلا في توسيع قاعده السياح. ومع ارتفاع الاسعار بوتيره تتجاوز ما يعوضه ضعف الليره, اصبحت كلفه العطله التركيه اقرب الي مستويات بعض المنافسين, وهو ما يضع القطاع امام اختبار واضح خلال الفتره المقبله: الحفاظ علي الزوار الذين اختاروا تركيا بسبب السعر, وفي الوقت نفسه زياده حصه السياحه الاعلي انفاقا القادره علي تحمل الكلفه الجديده. وتشير معطيات صيف 2026 الي ان مرحله تركيا الرخيصه اصبحت اقل رسوخا مما كانت عليه, فالمشكله لم تعد في سعر الليره منفردا, وانما في مقدار ما يستطيع السائح شراءه بها, وهذه المعادله هي التي ستحدد قدره المنتجعات التركيه علي الاحتفاظ بجاذبيتها امام وجهات تعرض اليوم اسعارا اكثر منافسه.
"السياحة الرخيصة" بتركيا تتراجع أمام موجة الغلاء وتآكل ميزة الليرة
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: هسبريس