تحولت قصه شابه مغربيه وصلت الي سبته نهايه يوليوز الي واحده من اكثر القصص اثاره للجدل في النقاش الاسباني حول الهجره, بعدما ظهرت في وسائل اعلام دوليه لتروي ما قالت انه معاناه اسريه وضغوط اجتماعيه دفعتها الي مغادره المغرب والمجازفه بحياتها للوصول الي الاراضي الاسبانيه. لكن القصه التي بدت في بدايتها اقرب الي حكايه انسانيه عن شابه تبحث عن الامان سرعان ما اصطدمت بما كشفته صور ومنشورات قديمه من حساباتها علي مواقع التواصل الاجتماعي, لتفتح الباب امام تساؤلات واسعه حول مدي تطابق الصوره التي قُدمت للاسبان مع نمط الحياه الذي كانت تعيشه قبل وصولها الي سبته. وتتعلق القضيه بالمغربيه وفاء عتيد, البالغه من العمر 28 عاماً, والمنحدره من مدينه تازه, والتي تحدثت في مقابلات اعلاميه عن اسباب دفعتها, بحسب روايتها, الي مغادره المغرب والوصول الي سبته. روايه انسانيه صيغت بعنايه ظهرت عتيد في تقرير لصحيفه «ال باييس» وهي تقدم نفسها باعتبارها شابه عانت من ضغوط اسريه بسبب مواقفها من الدين واللباس, ومن قيود قالت انها كانت مفروضه عليها داخل اسرتها. وبحسب الروايه التي نقلتها الصحيفه, قالت الشابه انها لا تريد ارتداء الحجاب الذي تطلبه منها اسرتها, وانها تعتبر ان النساء في المغرب اقل مكانه من الرجال, كما تحدثت عن توقف دراستها ورغبتها في الوصول الي برشلونه والبحث عن عمل في فندق او مطعم. ولم تتوقف القصه عند حدود القيود الاسريه, اذ قدمت الشابه نفسها في حديثها مع «رويترز» باعتبارها تعيش ظروفاً نفسيه وانسانيه صعبه في سبته, حيث قالت انها تخشي النوم ليلاً, وانها تضطر الي النوم خلال ساعات النهار, كما تحدثت عن غياب مرافق استحمام منفصله للنساء وعن اضطراب دورتها الشهريه نتيجه الضغط النفسي. هذه التفاصيل منحت القصه بعداً انسانياً قوياً, خصوصاً في ظل الظروف الصعبه التي يعيشها عدد من المهاجرين الموجودين في سبته عقب موجه الدخول الجماعي الاخيره. غير ان روايه عتيد لم تمر طويلاً من دون تدقيق. الصور القديمه تقلب زاويه القصه بعد انتشار المقابلات والتقرير التلفزيوني, بدا مستخدمون اسبان في البحث عن الحسابات القديمه للشابه, قبل ان تظهر صور ومنشورات قيل انها تعود الي الفتره التي سبقت وصولها الي سبته. وتظهر هذه المواد, وفق ما تم تداوله, الشابه في رحلات خارج المغرب وفي عدد من الوجهات السياحيه المعروفه, من بينها قطر وتركيا ودبي وماليزيا. ومن بين الصور التي اثارت اكبر قدر من الجدل, صور قيل انها التُقطت في ملعب لوسيل بقطر خلال حضورها احدي المناسبات المرتبطه بالمنتخب المغربي, اضافه الي صور من باموق قلعه في تركيا خلال سبتمبر 2025, فضلاً عن صور اخري من دبي وماليزيا. المشكله بالنسبه الي منتقدي قصتها لا تكمن في السفر بحد ذاته, ولا في كون شخص ما عاش حياه مريحه ثم تعرض لاحقاً لمشكله اسريه; وانما في الفجوه بين الصوره التي تلقاها الجمهور من المقابلات الاعلاميه وبين الصوره التي ترسمها منشوراتها السابقه عن ظروف حياتها. فالشابه التي قُدمت للراي العام من خلال قصه شديده التركيز علي الخوف والحرمان والقيود تظهر في صور اخري وهي تتنقل بين وجهات سياحيه خارج المغرب, وتحضر مناسبات رياضيه وتسافر الي دول بعيده. وهنا تحديداً بدا السؤال الذي اشعل الجدل: هل نحن امام قصه اضطهاد حقيقي, ام امام قصه شخصيه جري تقديمها اعلامياً بصوره انتقائيه? ما الذي تثبته الصور وما الذي لا تثبته? من المهم التمييز بين امرين. فالصور التي تظهر شخصاً في مطار او ملعب او موقع سياحي لا تثبت, بمفردها, ان حياته الاسريه كانت خاليه من المشاكل او ان ادعاءاته بشان الضغوط التي تعرض لها غير صحيحه. لكنها في المقابل تجعل من الصعب التعامل مع الصوره الاعلاميه المبسطه التي توحي بان الشابه كانت تعيش بالضروره في حاله من الحرمان المطلق او العزله الاجتماعيه. وهذا التفصيل هو الذي غاب عن جزء كبير من التغطيه الاولي للقصه, قبل ان تبدا صور الماضي في الانتشار علي مواقع التواصل الاجتماعي. وتزداد اهميه هذه النقطه لان القضيه لم تعد مجرد قصه فرديه, بل اصبحت جزءاً من النقاش السياسي الاسباني المحتدم بشان الهجره غير النظاميه, خصوصاً بعد موجه الدخول الجماعي الي سبته في نهايه يوليوز. انتقادات اسبانيه حاده كان من بين ابرز من هاجموا الروايه المتداوله صانع المحتوي الاسباني دافيد سانتوس, الذي اعاد نشر صور من الماضي واعتبر ان حياه الشابه السابقه لا تنسجم مع الصوره التي قدمت بها نفسها باعتبارها ضحيه للفقر والبؤس. وسخر سانتوس من كثره الرحلات التي تظهر فيها الشابه, مشيراً الي حضورها في قطر وتركيا ودبي وماليزيا, ومعتبراً ان نمط السفر الذي تظهره الصور لا يتوافق مع الصوره التي ترسخت لدي جزء من الجمهور الاسباني بعد مشاهده التقرير الاعلامي. كما انتقل الجدل سريعاً من قصه وفاء الشخصيه الي ملف اكبر: من يدفع ثمن استقبال المهاجرين الذين يدخلون اسبانيا بصوره غير نظاميه, وما المعايير التي تحدد من يستحق الحمايه ومن يجب ان يعاد الي بلده? وهذه النقطه جعلت القضيه ماده خصبه للاوساط السياسيه والاعلاميه المناهضه لسياسه الهجره التي تنتهجها حكومه بيدرو سانشيز. من قصه شخصيه الي ورقه في معركه الهجره جاءت قصه عتيد في توقيت شديد الحساسيه بالنسبه الي اسبانيا. فسبته لا تزال تعاني من اثار موجه الهجره الكبيره التي شهدتها نهايه يوليوز, والتي ادت الي ضغط كبير علي مرافق المدينه ومراكز الاستقبال, فيما بقي الاف المهاجرين في ظروف صعبه. وتشير تقارير حديثه الي ان الاف الاشخاص ما زالوا في سبته, وسط نقاش سياسي متصاعد بشان مصيرهم, في وقت تسعي فيه السلطات الاسبانيه الي تخفيف الضغط عن المدينه ونقل بعض الفئات الاكثر هشاشه الي شبه الجزيره. وفي هذا المناخ, تحولت قصه شابه واحده الي نموذج يستخدمه كل طرف لتعزيز روايته. التيارات المناهضه للهجره تري في القضيه دليلاً علي ان بعض القصص الانسانيه التي تقدم لتبرير البقاء في اسبانيا تحتاج الي تدقيق اكبر, بينما يري الطرف الاخر ان وجود صور من حياه سابقه ميسوره نسبياً لا يلغي بالضروره امكانيه تعرض الشخص لاحقاً لمشاكل اسريه او اجتماعيه. التناقض الحقيقي ليس في السفر المفارقه الابرز في القضيه ان السفر لا ينفي الاضطهاد, كما ان الفقر ليس شرطاً لطلب الحمايه. لكن ما اثار الشكوك في اسبانيا هو ان الجمهور لم يحصل منذ البدايه علي الصوره الكامله. فاذا كانت الشابه قد عاشت فعلاً ظروفاً اسريه قاسيه, فان ذلك يحتاج الي اثبات مستقل عن صورها الشخصيه. واذا كانت في المقابل قد قدمت نفسها امام وسائل الاعلام علي انها ضحيه لظروف اجتماعيه واقتصاديه لا تعكسها حياتها السابقه, فان الامر يصبح مختلفاً تماماً. وبالتالي, فان السؤال الاكثر جديه ليس: هل كانت وفاء عتيد فقيره ام ميسوره? بل: هل الروايه التي قدمت للراي العام الاسباني كانت كامله, ام انها اختزلت حياه معقده في قصه ضحيه مثاليه تخدم سرديه اعلاميه وسياسيه جاهزه? الحاجه الي التدقيق قبل اصدار الاحكام القضيه تكشف ايضاً مشكله اوسع في التعامل الاعلامي مع قصص الهجره. فالمقابلات الانسانيه المؤثره, خصوصاً عندما تكون مصحوبه بصور حزينه وشهادات شخصيه عن الخوف والمعاناه, قادره علي تشكيل انطباع قوي لدي الجمهور قبل ان تتاح له فرصه الاطلاع علي بقيه المعطيات. وفي المقابل, لا يمكن اعتبار منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وحدها تحقيقاً نهائياً في حياه اي شخص, لان الصوره المنشوره لا تكشف بالضروره مصدر المال او الظروف التي التُقطت فيها او ما كان يحدث داخل الاسره بعيداً عن الكاميرا. لكن المؤكد ان الصور التي ظهرت من الماضي احدثت شرخاً واضحاً في الروايه التي انتشرت اولاً, وحولت صاحبه القصه من مجرد ضحيه تحظي بالتعاطف الي شخصيه باتت مطالبه بتفسير الفجوه بين شهادتها الاعلاميه وما يظهر في ارشيفها الرقمي. وهكذا, بدلاً من ان تنتهي القصه بتعاطف واسع مع شابه قالت انها هربت من الاضطهاد, دخلت وفاء عتيد في قلب معركه اسبانيه اكبر حول الهجره واللجوء والمصداقيه, واصبح السؤال الذي يلاحق قصتها هو نفسه الذي يلاحق كثيراً من الملفات المشابهه: اين تنتهي الحقيقه الشخصيه, واين تبدا الروايه التي يعاد تشكيلها امام الكاميرا?
من «الهروب من الاضطهاد» إلى رحلات قطر وتركيا ودبي صور الماضي تهز رواية مهاجرة مغربية في سبتة
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: انباء اكسبريس