قبل اطلاق صافره الانتخابات المقرره في الاسبوع الاخير من شهر سبتمبر, وفي الوقت بدل الضائع من عمر الاجنده الانتخابيه, اُلحق الوزير المنتدب المكلف بالميزانيه, السيد فوزي لقجع, بحزب الاصاله والمعاصره البام. وما هي الا ايام معدوده حتي اطلّ من مدينه اكادير عبر مقاطع فيديو جري تداولها علي منصات التواصل الاجتماعي, وثّقت مشاهد لافته من داخل صالون احدي الفيلات الفاخره التي تعود ملكيتها لفاعل انتخابي متحول سبق له التنقل بين الوان حزبيه وسياسيه عده, كالعداله والتنميه والاحرار, قبل رسوه في البام, حيث ظهر الحاضرون في اجواء من البذخ تضاهي طقوس الاعراس والافراح. لم تكن تلك المادبه الانتخابيه لتخلو من اطباق الاكل الدسم وكؤوس الشاي, غير ان الرمز الوحيد السائد والناطق في القاعه كان رمز التراكتور الازرق, ذي العجلات الضخمه التي تجيد الحرث فوق كل السطوح. والواقع ان لقجع, وان لم يمضِ علي انتسابه الرسمي للحزب سوي ايام, يُعد من اهل الدار, اذ طالما جمعته اواصر وثيقه بقياداته النافذه, بدءا من الياس العماري, وصولا الي سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي المعتقلين في قضيه اسكوبار الصحراء, بل ان زوجه لقجع سبقت احقيته الي المكتب السياسي بقرار من الامين العام السابق عبد اللطيف وهبي. امسك لقجع بميكروفون اسود لاسلكي, ووقف يتحدث بنبره الواثقين, معلنا انه جاء ليمارس نضاله بين الشباب وساكنه الدواوير, ومؤكدا بحماس ان الحزب سيعبر الانتخابات ليحصد المقاعد كامله. ولم يتاخر المشهد, اذ تهافت الحاضرون لالتقاط الصور التذكاريه مع اللاعب البامي الجديد, صور مشحونه باستحضار متخيَّل لالوان المجد التي صنعها ياسين بونو واشرف حكيمي واسماعيل الصيباري ورفاقهم فوق المستطيل الاخضر, حيث يُستغل عرق الابطال لتلميع صفقات الكواليس داخل الصالونات المغلقه. ان الشهره والرمزيه اللتين يُسوَّق بهما لقجع نفسه تستمدان نفوذهما من اصداء انجازات اولئك اللاعبين, لا من جدارته في التسيير الوزاري, اذ تتزايد الاسئله والانتقادات حول مظاهر اختلال التدبير وانفاق الميزانيات, في ظل غياب المساءله الشفافه والجواب عن حجم الارقام والمبالغ الملياريه التي صُرفت علي مشروع المنتخب الوطني وتاهيل التجهيزات والملاعب لاستقبال المونديال. وفي ظل الحديث عن حكومه المونديال وتوظيف عزيز اخنوش لمصطلح الميركاتو السياسي, اختار البام تدشين حملته عبر لقجع من اكادير, معقل اخنوش الانتخابي, مراهنا علي حسم صفقه الموسم باستقدام مهاجم هداف خبير في اقتناص الضربات الثابته وحتي الضربات تحت الحزام, حيث تصبح الملاكمه والكراطي احيانا من ابجديات اللعبه السياسيه في ساحه الصراع بين الحمامه والورده والجرار مع الميزان. صفقه سال لها لعاب الاحزاب, لكن التعليمات الخفيه والاشارات الموجهه اوحت للاعب بالانضمام فورا الي الفريق الرابح الذي اضاع البطوله سابقا بسبب رياح الربيع العربي, ويتحيّن الفرصه اليوم لاعاده الاعتبار. في هذا المشهد لا يبدو لقجع سوي النسخه المحدثه والمطوره من ولد زروال, البطل الخفي/المعلن لمسيره الدار البيضاء عام 2016 التي حُشِد لها لاسقاط حزب العداله والتنميه ففشلت, قبل اللجوء الي سيناريو البلوكاج لاقصاء بنكيران. تكرر التلويح بمفردتي الصدق والمعقول علي لسان لقجع ومحاوريه, تماما كما يتكرر الحديث عن النزاهه علي لسان من يفتقر اليها, اذ افرط في التوسل بذكر السلطه وتعليماتها, وكانه يسعي الي تاكيد ان البام هو حزب القصر, او يروم الايحاء للراي العام بانه يتحدث بوصفه ناطقا رسميا باسم اعلي سلطه. بل ان لقجع ذهب الي القول انه شبعان بالتعيينات الملكيه, موضحا بالدارجه المزلّجه وبتواضع مسبوك انه جاء كاي مواطن بسيط يمارس حقه الدستوري, ولا يبحث عن منصب سياسي ولا وظيفي, داعيا الي وضعه حتي في اخر القائمه الحزبيه! يا للبراءه السياسيه غير ان السيناريو مكتوب بدقه, فالرجل الذي يعشق النزول الي عشب الملعب فور كل انجاز كروي لسرقه الاضواء امام الكاميرات, كان اجدر به ان يمتلك الشجاعه ويدشن دخوله المعترك الحزبي بتجمع جماهيري حاشد في مركب دونور بالدار البيضاء او ملعب مولاي عبد الله بالعاصمه لمخاطبه الشباب, بدلا من التحصن بصالونات الفيلات المكيفه ومجالسه المنعشين العقاريين ورجال الاعمال وحيّاحه الانتخابات, لانه يعلم يقينا انه لو واجه الجماهير فوق المدرجات لتلقي الاستقبال الذي يستحقه من شعب الهاربين. هكذا تسيّد قاموس كره القدم المشهد, غير ان حالات التسلل استعادت معناها الحرفي بالشرود السياسي للبرلمان والحكومه القادمين, مع اخطاء بالجمله وضربات جزاء بلا حكام ولا تقنيه الفار (VAR), واحتساب الوقت بدل الضائع سيكون اطول من الوقت القانوني لتسهيل مهام ناهبي المال العام, في مباراه اذا ما رفع الجمهور راسه للاحتجاج فيها, لا يكتفي بطرده, بل يُعتقل لتستمر اللعبه في صمت بلا مشجعين. يتسلل لقجع الي المشهد كانه الورقه الرابحه, لكن الواقع يكشف ابعاد التكتيك, فما كادت تطا قدمه اجتماع الحزب بسلا حتي زُفَّ في عماريه القياده, متسلقا راسا الي المكتب السياسي. وقد فتحت هذه الخطوه باب التاويلات حول الخلفيات العميقه التي دفعت لقجع للالتحاق بالبام, وهو العليم بما يلاحق الحزب من انطباعات سلبيه لدي الشارع, بدءا من تداعيات ملف اسكوبار الصحراء, وصولا الي تسريبات جبروت عن قياداته الحاليه, علي راسها فاطمه الزهراء المنصوري وعبد اللطيف وهبي, ومطبات اسماء حُقّق معها مثل سعيد الناصري والبعيوي. يحدث هذا التهافت علي الكراسي وتبادل الانخاب في صالونات الكبار, في وقت اخرس فيه الهروب الكبير النخبه السياسيه برُمّتها, وشُلّت السنه الهيئات المواليه التي التزمت صمتا مريبا ولم تطلق لثغتها الا بعد صدور بلاغ وزاره الداخليه, البلاغ الذي لم يتعدَّ كونه مسكنا مؤقتا لا يداوي الجرح الغائر. بل ان رئيس الحكومه عزيز اخنوش نفسه استلهم خصال الهرب, فغادر بطائرته الخاصه نحو جزيره مايوركا لينعم بعطلته, قبل ان تلاحقه التقارير الصحفيه والدعوات لمغادرتها تحسبا لتظاهرات قد تفسد الموسم السياحي للجزيره, مما اضطره للعوده العاجله. يفر رئيس الحكومه بطائرته للترويح عن نفسه, بينما يفر ابناء الشعب المقهور باجسادهم في المياه البارده, فتستقر اجساد بعضهم في قاع المضيق, بينما يرفع الناجون علي الضفه الاخري علامات النصر لمجرد النجاه بجلودهم, في تراجيديا تجسدت في تصريح شابه مغربيه لوسائل اعلام اسبانيه بكونها مستعده للتعفن داخل سجن في سبته علي ان يُعاد ترحيلها. اي ماساه هذه, واي استخفاف بعد ان ضاقت بسبلها الحياه في مغرب الشعارات الملمّعه كالنموذج التنموي الجديد والمخطط الاخضر والامن والاستقرار ان مغرب الارقام الورديه وبلاغات التلميع لا يمت للواقع اليومي باي صله, والصور الصادمه لطقوس الهروب الكبير هي الشاهد الابلغ علي هذا الشرخ العميق. فبين صالونات الفيلات المكيفه التي تُوزّع فيها التزكيات والمناصب كما تُوزّع الحلوي, وبين شواطئ الفاجعه التي يلقي فيها الشباب باجسادهم في بحر الموت فرارا من واقع مرير, تتجلي الحقيقه ناصعه بلا مساحيق: السياسه في واد, والشعب في واد اخر وما بين الواديين, وطن يُزَفّ فيه المسؤولون الي المناصب, بينما يُزَفّ شبابه الي امواج البحار والعدم. فلا العائلات المكلومه تتلقي واجب التعزيه, ولا الدوله تعلن الحداد. مفارقه تجلّت صارخه في اجتماع لقجع التاريخي, الذي غاب عنه حتي اضعف الايمان. لفته ترحّم واحده علي ارواح الضحايا الغارقين. نقف اليوم امام انسداد الشرايين السياسيه, داعين الا يكون الجواب الوحيد المتبقي لدي هذا الجيل المكلوم هو: الي هروب اكبر مفارقه تختزل السورياليه المغربيه في ابشع صورها, حيث الصالونات تعزف الحان النصر, والبحار تلتهم مستقبل الشباب, ليجتمع المشهد كله في عباره واحده تلخص مراره اللحظه: ابشروا. لا امل.
رسالة لقجع للهاربين: أبشروا لا أمل…
اقرأ المقال كاملاً
المصدر: لكم